السودان والجزائر بين صعود الأزمة واحتوائها

ليس ثمّة خلاف على ارتكاب حكومات نظام " الإنقاذ" جرائم جنائية وسياسية لكن المشكلة في الطبيعة الثأرية والاستبعاد السياسي.

كانت الجزائر بين خيارين: إما توريط الجيش في انقلاب عسكري أو الاحتكام للدستور في نقل السلطة والمضي في تصحيحات سلمية.  

تعتبر الصراعات تحدّياً لإنجاز مهام الفترة الانتقالية، إذ تمثل ضغوطاً على قدرة الحكومة على معالجة مشكلات الاقتصاد والخدمات العامة.

*     *     *

رغم التقارب الزمني بين الحراك في كل من السودان والجزائر، فإن اختلاف النتائج المرحلية يثير النقاش عن ملامح مسار إدارة المرحلة والعوامل، في كل من البلدين، وراء إنجاز الجزائر انتخابات الرئاسة، فيما يدخل السودان مرحلة انتقالية تحمل في طياتها اتجاهاتٍ متباينة بشأن العلاقات المدنية ـ العسكرية والانتقال السياسي. وبالتالي، ثمّة حاجة للاقتراب من مسار التجربتين، والخلفيات السياسية والاجتماعية الداخلية التي ساهمت في تشكيل النتائج.

في حالة السودان، ترفض الحكومة الانتقالية التعايش مع بقايا النظام السابق، وهي مواقفُ ترجع إلى فترة مشاركة مكوناتها في معارضة الرئيس المخلوع عمر البشير، وضعت توجهاتها نحو أفكار تقويض حكم "الجبهة الإسلامية" وتصفية آثاره، سياسياً واجتماعياً.

ومع طول فترة حكم البشير، من دون معالجة أخطائه أو تصحيح مساره السلطوي، ترسّخت الأفكار الثأرية لدى اليسار السوداني، وخلصت إلى ضرورة السير بدون الإسلاميين، وتعد سياسات إعادة هيكلة المؤسسات العامة وإغلاق مؤسسات إعلامية ضمن إجراءات محو آثار النظام السابق.

لم تكن هذه التصرّفات مفاجئة أو غير متوقعة، فمن جهة، تعتبر مواقف اليسار المتماسكة تجاه المؤسسات التابعة لحزب المؤتمر الوطني، مصدر تهديد، ومن جهة أخرى، ساعد إمعان نظام الجبهة في أدلجة الجهات الأمنية، وتكوين مجموعات مسلحة غير نظامية، على مسارعة الحكومة الانتقالية إلى إعادة هيكلة القطاعات العسكرية والأمنية، لأجل إخضاعها أو دمجها أو تسريحها، حيث تمثل التهديد الماثل لأبنية السلطة الجديدة.

وكانت هذه التوجهات راسخةً في وعي "تحالف الحرية والتغيير"، وقت صياغة الوثيقة الدستورية الانتقالية، حيث كان الإصرار على إطالة المرحلة الانتقالية إلى أربع سنوات، كما هي واضحة لدى "المجلس العسكري الانتقالي" في ما يتعلق بإعادة الهيكلة، والتخلص من أسباب التوتر داخل الأجهزة المؤدلجة، ولزوم اعتقال سياسيي الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.

على أية حال، تعتبر الصراعات تحدّياً لإنجاز مهام الفترة الانتقالية، إذ تمثل ضغوطاً على قدرة الحكومة على معالجة مشكلات الاقتصاد والخدمات العامة. ولعل هذا يماثل التجارب الانتقالية السابقة في جانب بقاء المشكلات كما هي، وعدم إيجاد حلول لها، وبحيث لم تصمد الحكومة المنتخبة أمام الميراث السلبي للمرحلة الانتقالية.

وفي الجزائر، أعلن الجيش التزامه بالمسار الدستوري للوصول إلى انتخابات رئاسية، وظل متمسّكاً بهذه الرؤية، على الرغم من الصعوبات التي واجهها، وتسبّبت في عدم إجراء الانتخابات في 4 يوليو/تموز 2019، لكنه تمكّن من إجرائها في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وصارت سلطة شرعية منتخبة.

وفي موازاة الجدل حول المسار الدستوري، خاض رئيس أركان الجيش في حينه، أحمد قايد صالح، معركة ضد متنفذين في السلطة، حيث اعتبر وجودهم تهديداً للمسار الدستوري، وهو ما أطلق عليه حراكيون مصطلح "المنجل"، في إشارة إلى الجدّية في المحاسبة القضائية.

لم يكن الحراك الجزائري على موقفٍ واحد، فهناك تيار أساسي ظل داعماً للحل الدستوري وعدم الدخول في مرحلةٍ انتقالية، لأنها سوف تقود إلى سيولة سياسية، وتفتح الباب أمام صراعات جديدة. ورأى هذا الفريق أن شغل منصب الرئاسة ضروري، وحماية للدولة من الانفلات السياسي أو الأمني.

وعلى خلاف هذا التوجه، ظهر فريقٌ آخر، يدعو إلى تأسيس الجمهورية الثانية عبر مرحلة انتقالية، يضطلع بها مجلس تأسيسي لتحديد هوية الدولة وطبيعتها، غير أنه لم يطرح نقاطا صلبة يستند عليها المسار الانتقالي، سواء ما يتعلق بطريقة التشكيل أو الآجال الزمنية، حيث تركها لجلسات حوار، هي الأخرى لم تتسم بالانضباط المؤسسي الذي يكسبها المشروعية.

كانت الجزائر بين خيارين: إما توريط الجيش في انقلاب عسكري أو الاحتكام للدستور في نقل السلطة والمضي في إجراء تصحيحات سلمية. وفقاً للخيار الأول، فشل الحراك في الخروج برؤية واضحة للمسار السياسي، وظهرت خلافاتٌ متباينةٌ بشأن خياري الفترة المؤقتة والمرحلة الانتقالية، بطريقةٍ كشفت عن هشاشة البنى الاجتماعية وضعف الأحزاب السياسية!  

ولعل هذه الوضعية تبعث على التشكك في قدرة الجماعات المدنية على تسيير الخلاف السياسي إلى الوصول إلى صيغة مشتركة، فقد ظهرت ممارسات مشتتة مالت إلى الحلول المتطرّفة، سواء "يتنحاو قاع" أو محاولة إظهار الأعلام المتعددة، وكلها محاولات لإعادة النقاش بشأن قضايا تأسيسية في تعريف الدولة.

وإزاء هذا الجدل، دعا الجيش مؤسسات الدولة إلى التوسع في الضمانات السياسية الممكنة لتلبية طلب الحراك. وفي هذا السياق، أجريت تعديلات على اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وتعديل قانون الانتخابات لمنع ترشّح العسكريين، والوعد بطرح الدستور للتعديل بعد الانتخابات، وكانت هذه الإجراءات لزيادة الثقة في جدّية الانتقال السلمي للسلطة وتجنب الانفلات السياسي.

ربما تفسر الثقافة السياسية جوانب من السلوك والميراث السياسي في الحالتين. مشكلة الخيارات الحدّية في السودان ترافق تاريخ هذا البلد، منذ الخمسينيات، مع المطالبة بحق تقرير المصير والتمرّد ثم الانفصال، بشكلٍ أضعف مركزية السلطة.

وبالتالي، فإن اتجاه السودان إلى تكرار أخطاء الماضي، وعدم القدرة على ابتكار سياساتٍ تقوّي من فكرة الدولة باعتبارها مظلة للجماعات السكانية والتيارات السياسية، يمهد الأرضية لصراعٍ مزمن.

وبشكل عام، ليس ثمّة خلاف على ارتكاب حكومات "جبهة الإنقاذ" جرائم جنائية وسياسية، ولكن المشكلة في الطبيعة الثأرية والاستبعاد السياسي، وهي السياسات نفسها التي أدّت إلى الأزمة الحالية وتسليم البشير البلاد في خواء وصراع بين أبنيتها وفكرتها.

ولعل انتقادات تجمعات الشباب الحكومة الانتقالية ومكوناتها يعكس مدى انخفاض الثقة في الوضع القائم، خصوصاً في ما يتعلق بجدّية أجهزة الأمن والجيش في تقديم قتلة الثوار إلى المحاكمة ومحاسبة النظام السابق. وتعد هذه الظاهرة انعكاساً لاختلاف فجوة الثقة بين المدنيين والعسكريين، وهذا ما يكشف جانباً آخر من الأزمة، يتمثل في غياب التمسّك المطلوب لمرور الانتقال بسلام.

وفي الحالة الجزائرية، ثمة ميل إلى الانتقال عبر الدستور، وهذا البلد، في وقت التحرّر من الاحتلال، خاض نضالاً مستمراً حتى الاستقلال، بشكلٍ ساهم في تغليب ميول الاستقرار، ولكن تجربة إطاحة الانتخابات في عام 1991 أدخلت البلاد في مرحلة فلتانٍ أمني، وهي فترة صحبها قلق على تماسك الدولة والمجتمع.

أكسبت هذه الخبرة تجنب الدخول في فتراتٍ انتقالية، قد تؤدي إلى تمدّد الخلاف داخل المؤسسات، وبالتالي انقسامها أو تصدّعها، ما جعلها تميل، بشكل دائم، إلى حسم النقاط الخلافية، سواء عبر تنصيب رئيس أو انتخابه.

اعتاد السودان على الدخول في فترات انتقالية لم تنجز إطاراً واضحاً لعمليات انتقال السلطة أو رسم ملامح النظام السياسي، فتأسيس المرحلة الحالية قام على الصراع وإهمال الحلول السلمية. هنا، تمشي المرحلة الانتقالية في السودان محمّلةً بإرث الصراع العدمي المبني على الوعي الأيديولوجي الزائف.

وبعد مرور نحو عام على بدء الحراك في الحالتين، ظهر اختلاف النتائج لدى كل من الجزائر والسودان، فقد ساعد تمسّك الجيش الجزائري بالعمل من خلال الدستور، على تضييق نطاق الخلاف السياسي ووضوح الضوابط السياسية والقانونية، ساهمت في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

ولدى النظر إلى كلمة الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في مراسم تنصيبه، يمكن ملاحظة وجود مساحةٍ من نيات الإصلاح السياسي والدستوري، تتقارب مع تطلعات جانب الحراك الرافض للدخول في مرحلة انتقالية، يتضح ذلك عندما ركّز على تصحيح قانون الانتخابات.

وعلى خلاف هذا التوجه، اتجه السودان إلى العمل وفق وثيقة دستورية انتقالية، شهدت صياغاتها خلافاتٍ ومزاحماتٍ كثيرة، جعلت الإطار الانتقالي مرشّحاً لحدوث اهتزازات في المستقبل، يتطلب الخروج منها مصالحة وطنية وإيجاد بدائل لفكرة محاصصة السلطة ومجالس الحكم، ولم يكن السودان حاسماً في تشكيل السلطات الانتقالية والصلاحيات المخوّلة لكل منها.

ولدى مقارنة نقطة النهاية، يمكن ملاحظة أن اللحظة الفارقة في تغير السلطة كان مختلفاً، فبينما اتجه جيش السودان إلى استلام السلطة من البشير، لكنه قبل لاحقاً بمشاركة الأحزاب السياسية من دون تلك المرتبطة بالحركة الإسلامية، كان جيش الجزائر يرتّب لإدارة حوار سياسي تمهيداً لانتقال سلمي للسلطة.

وهي مهمّة قام فيها بدور الحراسة والحماية، حيث عمل الجيش على التقارب مع الحراك الشعبي. ويعد اختلاف التصور عن الدور نقطة أساسية في مناقشة الحالتين، خصوصاً ما يتعلق بمسافة الحياد عن العملية السياسية ووضوح تصور الانتقال السلمي.

ولعل الفارق بين الحالتين يكمن في اختلاف تماسك السلطة وقوتها ومركزتها في الشؤون العامة، وهذا العامل على قدر كبير من الأهمية، خصوصاً في قدرته على تجميع مصالح الدولة والتعبير عنها، وهو يشكّل خيراً أفضل من التفكك والانقسام المؤسسي والاجتماعي.

 * د. خيري عمر أكاديمي مصري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صقريا، تركيا.

المصدر | العربي الجديد