الأحد 19 يناير 2020 01:23 م

افتتح الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" قاعدة "برنيس" العسكرية الضخمة على ساحل البحر الأحمر، بحضور ضيف مميز، هو ولي عهد أبوظبي الشيخ "محمد بن زايد آل نهيان".

وأحضر ولي العهد هدية لطيفة، 4 نوق تنتج وفرة غير عادية من الحليب، وربما تكون رمزية للضرع السخية لدولة الإمارات التي ساهمت بمليارات الدولارات في الاقتصاد المصري.

في صيف عام 2013، تبرعت أبوظبي بحوالي 3 مليارات دولار بعد استيلاء "السيسي" على السلطة. ومنحت البلاد في وقت لاحق 4 مليارات دولار، وبنت 50 ألف وحدة سكنية، و100 مدرسة، وخلال الفترة من 2014 إلى 2018 أودعت ما يقرب من 9 مليارات دولار في البنوك المصرية، بالإضافة إلى استثماراتها المباشرة في حوالي 900 شركة منها طيران الإمارات التي تعمل في مصر.

لقد طور "السيسي" و"بن زايد" صداقة حميمة، لدرجة أن الرئيس المصري يتشاور معه في كثير من الأحيان بشأن المسائل المتعلقة بإدارة مصر وحتى بشأن المسائل المتعلقة بالجيش المصري. على سبيل المثال، قبل شهرين، تشاور "السيسي" مع "بن زايد" قبل أن يقرر نقل ابنه "محمود" من منصبه في المخابرات المصرية إلى منصب دبلوماسي في السفارة المصرية في موسكو.

لكن هذه ليست مجرد صداقة شخصية. أقامت القاهرة وأبوظبي تحالفًا استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا ينسق فيه البلدان إجراءاتهما وسياساتهما. ولعل واحدة من أهم الجبهات التي يعملون فيها معا لسنوات هي ليبيا، حيث كان كلاهما متورطا عسكريًا بشكل مباشر عندما هاجموا قواعد تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" والجماعات الإسلامية في الجزء الشرقي من البلاد، وخاصة في مدينة درنة.

ومن الطبيعي أن يدعم البلدان الحرب العدوانية التي يشنها الجنرال "خليفة حفتر" ضد المنظمات الإسلامية وأن ينظر إليه كحليف يستحق المساعدة في سعيه لممارسة السيطرة على البلد بأكمله، وليس فقط كشريك لغرض الحرب ضد "الجماعات الإرهابية" فقط.

عندما قرر "حفتر" في أبريل/نيسان الماضي، محاولة غزو العاصمة طرابلس، استشار صديقيه "السيسي" و"بن زايد"، وتمكن من تجنيد دعم روسيا، التي أرسلت المئات من المرتزقة. وهو يخطط الآن مرة أخرى لمحاولة الاستيلاء على طرابلس، بعد فشل محاولاته السابقة.

لكن معركة "حفتر" من أجل السيطرة في ليبيا حولت البلاد إلى ساحة دولية تنافسية حيث انضمت تركيا وقطر وإيطاليا إلى جانب "فايز السراج"، رئيس الحكومة الليبية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، مقابل مصر والإمارات والسعودية وروسيا وفرنسا التي تدعم الزعيم المنافس "حفتر".

لم تعد هذه مجرد معركة بين جهود الحكومة الرسمية لتحطيم طموحات الجنرال الانفصالي؛ لقد أصبحت مباراة لي أذرع، المتنافسان الرئيسيان فيها هما مصر وتركيا.

رأت تركيا أن الفرصة سانحة لعودة قوية إلى ليبيا بعد أن انتزعت نفسها من هناك بعد سقوط نظام "القذافي"، حيث خسرت مليارات الدولارات من الاستثمارات التي قامت بها الشركات التركية في ليبيا على مدار سنوات.

بالنسبة لتركيا، ليبيا ليست مجرد مدخل لحقول النفط الغنية بل هي جسر إلى أفريقيا. لقد خسرت تركيا ذلك بعد الإطاحة بالرئيس المصري الراحل "محمد مرسي"، الذي وعد أنقرة بسلسلة من الاتفاقيات التجارية واختراق الدول الأفريقية عبر مصر.

وقدم تهديد "حفتر" لحكم "السراج" فرصة للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، الذي دعا رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بسرعة إلى أنقرة ليقدم له صفقة شاملة. وكجزء من هذه الصفقة، وقع البلدان اتفاقية تعاون عسكري واقتصادي تتضمن اتفاقًا لتحديد الحدود البحرية بينهما بطريقة لا تمنح تركيا مساحة شاسعة من المياه الإقليمية فحسب، بل تحبس قبرص داخل جيب بحري مغلق بواسطة المياه الإقليمية التركية والليبية.

في المقابل، تعهدت تركيا بالدفاع عن نظام "السراج"، وإذا لزم الأمر، إرسال قوات للقتال إلى جانب الميليشيات المدعومة من الحكومة التي تقاتل "حفتر".

إعلان الحرب

تعتبر مصر هذا الاتفاق بمثابة إعلان حرب. فهي تخشى أن يؤدي ترسيم الحدود البحرية إلى منع خطوط أنابيب النفط والغاز إلى أوروبا من المرور عبر تلك المنطقة، أو على الأقل أن يطلب منها التفاوض مع عدوها تركيا بشأن هذا.

كان هذا التطور بمثابة نقطة تحول في ساحة المعركة الدبلوماسية في ليبيا، حيث تنظر مصر مع الإمارات الآن إلى تركيا على أنها تهديد وجودي لا يمكن أن يؤدي فقط إلى إحباط طموحاتهم فيما يتعلق بليبيا، بل يقوض أيضًا مستقبل مصر الاقتصادي. وبالنسبة لتركيا، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالدفاع عن حليفتها الجديدة، حكومة "السراج"، ولكن لتسوية الحسابات القديمة بين "أردوغان" و"السيسي".

ويبدو أن "أردوغان" كان ينتظر أن يعلن "السيسي" تهديداته ضد التدخل التركي في ليبيا من أجل إظهار تصميمه على الإبقاء على كلمته وجعل تهديدات "السيسي" تبدو فارغة.

بعد أن صادق البرلمان التركي على الاتفاق مع حكومة "السراج" وإرسال القوات التركية إلى ليبيا، أرسلت تركيا أول وفد من المستشارين والمدربين العسكريين وتعهدت أيضًا بنقل أنظمة الأسلحة المتقدمة، بما في ذلك الطائرات والمروحيات، لجمع معلومات استخبارية، ثم بناء قاعدة عسكرية تركية مماثلة للقاعدة التركية التي بنيت في قطر.

ذكرت صحيفة "الجارديان" هذا الأسبوع أن تركيا أرسلت أكثر من ألف مقاتل قامت بتجنيدهم من بين اللاجئين السوريين في تركيا، وأنها تعتزم زيادة عدد القوات السورية التركية المرسلة إلى 2000 فرد، من عناصر تابعة للجيش السوري الحر.

ووفقًا للتقرير الذي نشرته صحيفة "الجارديان"، وعدت تركيا بمنح المقاتلين الجنسية التركية بالإضافة إلى دفع أجر شهري قدره 2000 دولار، أي حوالي 10 أضعاف ما يكسبونه في تركيا أو سوريا.

تركيا، بالمناسبة، ليست الوحيدة في هذه الحملة التي تستخدم المرتزقة. تستخدم روسيا ما يسمى مجموعة "فاجنر"، التي تعمل في سوريا وكذلك في العديد من البلدان في أفريقيا، في حين قام جيش "حفتر" بتجنيد مئات المقاتلين السودانيين الذين يبحثون عن أي وسيلة لكسب المال.

يجد "السيسي" نفسه في موقف محفوف بالمخاطر حيث سيتعين عليه أن يقرر ما إذا كانت مصر سترد على الاستفزاز التركي بإرسال قوات مصرية بالإضافة إلى الدعم الجوي، وبالتالي تجعل ليبيا جبهة مصرية ساخنة، أو إذا كانت ستلتزم بتقديم المساعدات من بعيد كما هو الحال حتى الآن.

ولا يعتبر هذا القرار سهلاً للقائد الذي يشن في الوقت نفسه معركة ضد إثيوبيا بشأن بناء نظام السدود على النيل، وهو مشروع يعتبره "السيسي" تهديدًا خطيرًا لمصر.

سبق أن هددت القاهرة بعمل عسكري ضد إثيوبيا في حال استكملت بناء السد وكانت غير راغبة في التوصل إلى اتفاق جديد بشأن تقاسم استخدام مياه النيل. لكن الحملة العسكرية ضد إثيوبيا قد تعني توسيع القدرات العسكرية لمصر على جبهات كثيرة في حين أنها لا تزال متورطة في حرب دموية في سيناء.

عند اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي، يتعين على "السيسي" أن يأخذ في الاعتبار مشاكله مع الاستياء المتزايد في الداخل، كما يتضح من المظاهرات الجماهيرية ضد النظام في سبتمبر/أيلول الماضي بعد الكشف من المقاول المصري "محمد علي" عن الفساد من قبل كبار المسؤولين العسكريين وأعضاء عائلة الرئيس.

يواصل "علي"، وهو مقاول بناء وممثل، نشر التحذيرات، وفي المقابلات الأخيرة، ادعى أن هناك استياء واسع النطاق بين ضباط الرتب المتوسطة والمنخفضة بشأن سلوك "السيسي" وكبار الضباط العسكريين.

تسبب "السيسي" في إثارة غضب كبار المسؤولين عندما أعلن عن عزمه خصخصة الشركات الحكومية، بما في ذلك الشركات المملوكة للجيش.

في السنوات القليلة الماضية، قام "السيسي" بقص أجنحة بعض كبار الضباط الذين شعروا أنهم حازوا الكثير من القوة. على سبيل المثال، قام بفصل رئيس الأركان ورئيس الاستخبارات السابق، وتقول التقارير في مصر إنه قام بنقل أو إلزام أكثر من 200 ضابط إلى التقاعد القسري.

من أجل تهدئة العاصفة الناجمة عن هذه الاضطرابات، أمر "السيسي" في ديسمبر/كانون الأول بإطلاق سراح رئيس الأركان الأسبق "سامي عنان" من السجن بعد أن قضى عامين من عقوبة بالسجن لمدة 9 سنوات بتهمة تزوير وثائق، أدين بها بعد أن قرر منافسة "السيسي" في انتخابات الرئاسة عام 2018.

في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، تم تشكيل مجموعة العمل الوطنية المصرية بهدف الإطاحة بـ"السيسي". وليس من الواضح من هم أعضاء هذه المجموعة، أو حجمها، لكنها كانت نشطة للغاية على وسائل التواصل الاجتماعي وانتقدت "السيسي" لتورطه في ليبيا، من بين أمور أخرى.

سيصادف هذا السبت الذكرى التاسعة لبدء الربيع العربي في مصر، وتدعو المجموعة المصريين إلى "إحياء الثورة" وتنظيم "احتجاج مليوني" في ميدان التحرير. من المسلم به أنه لا توجد دلائل قوية على وجود هذه التحركات داخل الجيش أو أن الحكومة في حالة هشاشة أو في خطر.

ولكن من الممكن أيضًا أن يكون "السيسي" قد طور نوعًا من جنون العظمة المعتاد لدى العديد من القادة الذين يحكمون لفترات طويلة من الزمن. لقد وصل "السيسي" إلى السلطة منذ ما يقرب من 7 سنوات ويمنحه الدستور المعدل في البلاد القدرة على البقاء في السلطة حتى عام 2034، ولديه خطط للبقاء في السلطة لفترة أطول.

بالنسبة لـ"السيسي"، فإن خوض الحرب في ليبيا أو على جبهة أخرى هو وصفة للاضطراب السياسي. من الأفضل افتتاح قواعد عسكرية جديدة براقة وشرب حليب الإبل بدلاً من الشروع في مغامرة جديدة.

المصدر | زيفي باريل - هآرتس - ترجمة وتحرير الخليج الجديد