الأربعاء 22 يناير 2020 08:37 ص

من الدبلوماسية الناعمة إلى القوة الصلبة، تتجه تركيا في عهد الرئيس "رجب طيب أردوغان" إلى إعادة تموضعها الإستراتيجي والعسكري، كقوة مؤثرة ذات ثقل إقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

هذا التحول اللافت، عبر عنه وزير الداخلية التركي "سليمان صويلو"، الشهر الماضي، حينما صرح بأن بلاده باتت قوة إستراتيجية في المنطقة مقارنة مع وضعها قبل 17 عاما.

ووفق "صويلو" فإن بلاده غدت قوة تستطيع تنفيذ عمليات عسكرية ضد الإرهاب خارج حدودها، وتضع شروطها أمام الولايات المتحدة دون تردد، وتجلس في الوقت الحالي على طاولة المفاوضات مع قوى إقليمية ودولية لمناقشة أوضاع المنطقة.

بؤر ساخنة

إعادة التموضع التركي ظهر جليا خلال السنوات الأخيرة، في عدد من البؤر الساخنة، التي تشهد صراعا إقليميا ودوليا، سواء في آسيا أو في أفريقيا.

ففي الأزمة السورية التي اندلعت العام 2011، أثببت تركيا حضورا سياسيا وعسكريا، وتمتعت بعلاقات وثيقة بفصائل المعارضة السورية، وإرادة سياسية لرسم معالم المشهد السوري، ضمن قوى نافذة أخرى تصدرتها روسيا وإيران والولايات المتحدة.

وتحتفظ تركيا بقواعد عسكرية في العمق السوري، وتدير بالتنسيق مع قوى المعارضة، مناطق شاسعة قرب الحدود، ضمن سياسة "المناطق الآمنة" التى فرضها الوجود العسكري التركي؛ للحيلولة دون إنشاء دولة كردية قرب حدودها، إضافة إلى رعايتها عملية سياسية بالتعاون مع موسكو وطهران لتنفيذ مسار أستانة الداعي لوقف إطلاق النار وكتابة دستور جديد للبلاد، وتأسيس أرضية مناسبة لعملية سياسية في سوريا.

ويعد العام 2017 نقطة تحول في مسار التمدد التركي استراتيجيا، حينما رفضت أنقرة بشكل صريح الحصار الرباعي الذي أعلنته كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر، وسارعت عبر برلمانها إلى المصادقة على الاتفاق العسكري بين أنقرة والدوحة، ما مكنها من نشر قوات في قاعدتها العسكرية في الدوحة؛ لإجهاض محاولة تدخل عسكري خليجي كانت مصممة للإطاحة بحكم الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، انتقل التمدد التركي إلى شمال القارة السمراء، عبر توقيع مذكرتي تفاهم حول تحديد مجالات الصلاحية البحرية والتعاون الأمني والعسكري، مع حكومة "الوفاق" الليبية (معترف بها دوليا)، ولاحقا عبر إرسال قوات عسكرية إلى طرابلس؛ للحيلولة دون سقوطها في يد قوات "خليفة حفتر" المدعوم من مصر والإمارات والسعودية.

توسع جيوسياسي

وتعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرض لها نظام "أردوغان" منتصف العام 2016، الحافز الأبرز الذي دفع أنقرة نحو هذا التمدد الإقليمي، عبر إقامة قواعد عسكرية في قطر والصومال، ومن قبلها العراق وسوريا وقبرص، وكذلك إعادة التموضع في ليبيا والسودان، وإيجاد موطئ قدم قوية في منطقة شرقي المتوسط، التي تشهد صراعا إقليميا حول الطاقة.

ويعزز ما لحق بثورات الربيع العربي في بلدان المنطقة، وتحالف أبوظبي والرياض والقاهرة ضمن ما يعرف إعلاميا بـ"محور الثورة المضادة" بهدف تثبيت الأنظمة الاستبدادية والعسكرية في المنطقة، يعزز ذلك رغبة "أردوغان" في التمدد بحثا عن عمق استراتيجي، عبر العلاقات الدافئة والدبلوماسية الناعمة أحيانا، وعبر القوة الصلبة أحيانا أخرى.

ويعتقد الكاتب الصحفي التركي "فهمي طاشتكين"، في تصريح لـ"بي بي سي" أن تركيا لديها قناعة بأنها مستهدفة، وأن ما حدث مع قطر سوف يتكرر مع تركيا، لأن أسباب الحصار ذاتها يمكن تكييفها بسهولة لتنطبق على أنقرة.

ومنذ عدة سنوات تدرك أنقرة أنه من الضروري أن تقوم بدور أكثر فاعلية، مع التحرر من التبعية للسياسة الغربية وقيود عضويتها في حلف الناتو، بحسب أستاذ العلوم السياسية "إبراهيم البيومي غانم".

ويرى "غانم" أن تركيا منذ عدة سنوات، خاصة منذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 استطاعت أن تُحدث نقلة نوعية كبيرة جداً إلى الأمام اقتصاديا وعسكريا، وكذلك في محيط علاقاتها بجيرانها أو في محيط العلاقات الدولية التي تنخرط فيها، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، بحسب تصريحاته إلى "الجزيرة".

ويرى الأكاديمي في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، الدكتور "محيي الدين أتامان"، أن محاولات عزل تركيا في شرق المتوسط، كانت دافعا لتعزيز قوتها البحرية وتواجدها العسكري، ما يؤمن لها موقف قوة في المياه الإقليمية، وفي الممرات البحرية، وفي مناطق النفط والغاز.

قوة إقليمية عظمى

وفق التقدير الاستراتيجي الصادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، الشهر الجاري، فإن تركيا باتت قوة إقليمية "عظمى" تؤثر بشكل كبير على واقع المنطقة.

ويأتي صعود الدور التركي في المنطقة مقابل تراجع الدور الأوروبي، وتوجه الولايات المتحدة للانسحاب من الشرق الأوسط، ما منح أنقرة فرصة للمناورة بشكل لافت بين القوى العالمية المتنافسة، وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا.

في السياق ذاته، أكد المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس"، "عاموس هارئيل"، إن تركيا تحرص على المحافظة على حضورها عند حل أية مشكلة إقليمية، مشيرا إلى حضورها في ليبيا وسوريا والساحة الفلسطينية وقضية اللاجئين في أوروبا.

كذلك وفي استعراض للقوة للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية، أطلقت أنقرة في 27 فبراير/شباط 2019، أضخم مناورات عسكرية تحت اسم "الوطن الأزرق 2019"، في البحار الثلاثة التي تحيط بتركيا، البحر الأسود، وبحر إيجه، والبحر المتوسط.

القوة الصلبة

وتذهب تقديرات المعهد المصري للدراسات، إلى أن تدهور أوضاع بلدان الربيع العربي وزيادة التدخلات والأحلاف العسكرية في المنطقة، وتزايد الاحتقان بين السعودية وإيران، وبين قطر والرباعي العربي، أجبرت تركيا على الانتقال من الاعتماد على أدوات القوة الناعمة إلى تفعيل خيارات القوة الصلبة.

منذ العام 2013 ظهرت بوادر تفعيل خيارات القوة الصلبة التركية، في عدد من الساحات، أبرزها تدريب وتجهيز المعارضة السورية، وتعزيز التواجد العسكري في العراق، وتعزيز التعاون الدفاعي مع قطر 2015، وإنشاء قاعدة عسكرية في الصومال 2016، ورفع وتيرة التصنيع العسكري التركي، والتدخل العسكري في ليبيا 2020.

ويبدو أن أنقرة باتت على قناعة بأن الاعتماد على القوة الناعمة ليس كافيا لتحقيق أهدافها، وحماية مصالحها، لاسيما مع تورط الإمارات -وفق تقارير تركية- في انقلاب يوليو/تموز 2016، وتحرش السعودية بالأمن القومي التركي مع إقدامها على قتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في قنصلية بلاده بإسطنبول أكتوبر/تشرين الأول 2018، ووجود تحركات مصرية قبرصية يونانية إسرائيلية للسيطرة على غاز شرق المتوسط، إضافة إلى قيام كل من واشنطن وموسكو بدعم وتسليح وحدات حماية الشعب الكردية التي تضنفها أنقرة "منظمة إرهابية".

وتؤكد معطيات الواقع أن موازين القوة الراهنة في الشرق الأوسط تميل بوضوح إلى صالح تركيا على مختلف المستويات، نظرا إلى ما تمتلكه من قوة خشنة (عسكرية واستخباراتية)، وأخرى ناعمة (اقتصادية وثقافية وديمغرافية)، فضلا عن وجود نظام حاكم يبدو أن لديه تطلعات لفرض حضور تركيا على الساحة العالمية رأسا برأس مع القوى الكبرى.

المصدر | الخليج الجديد