الثلاثاء 21 يناير 2020 09:32 ص

مع تحرك السودان نحو تحقيق الانتقال الديمقراطي، كانت مصر، جارتها الشمالية، تشعر بالقلق إزاء تطوراتها الإصلاحية، ومن وجهة نظر القاهرة، قد يكون هناك تحول غير ودي للأحداث في السودان يضر بمصالحها بطرق مختلفة.

وخلال فترة تحولها من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، اكتسبت التطورات الأكثر إيجابية في السودان ثناء مصر، وبعد تعيين رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" على رأس حكومة جديدة، في سبتمبر/أيلول 2019، هنأت القاهرة الحكومة وشددت على العلاقات التاريخية بين البلدين.

ومع ذلك، كانت مصر أيضا واحدة من الدول التي تحاول التدخل في انتقال السودان، ونظرت مصر في وقت سابق إلى السودان على أنه جزء من أراضيها.

وقد ظهر هذا بشكل أكبر في الحقبة الاستعمارية، عندما تم الاتفاق على الملكية الأنجلوبريطانية بين الإمبراطورية البريطانية ومصر للإدارة المشتركة للسيطرة على السودان.

واستمر هذا الأمر حتى عام 1956، وكان ذلك لاعتقاد أن السودان المستقل، أو السودان الخاضع لسيطرة القوى الاستعمارية الأخرى، قد يعرقل ويعارض تدفق المياه على طول نهر النيل، وهي مسألة ملحة تبرز اليوم.

وسرعان ما تدهورت العلاقات بين مصر والسودان بعد انقلاب "عمر البشير" وصعوده إلى السلطة عام 1989، وكرئيس للسودان، شكل "البشير" تحالفا مع جماعة "الإخوان المسلمون"، وهو فصيل تعتبره مصر منظمة إرهابية.

وجعل هذا الأمر من الصعب التعامل مع الحكومة السودانية، وفقا لوزير الدفاع المصري السابق، "رخا حسن"، في حين أن الاختلافات الأخرى قد هددت أيضا المصالح الاقتصادية والأمنية لمصر.

وبسبب عدم استقرار السودان في حربها الأهلية الثانية، عارضت مصر الاحتمال والدعوات اللاحقة لانفصال جنوب السودان في محادثات السلام عام 1997، لأن هذا كان من الممكن أن يهدد إمدادات مياه النيل، وعلى الرغم من تأييدها لسودان موحد، لم يكن للقاهرة تأثير كبير في محادثات السلام التالية في البلاد.

ولكن حتى بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، جاهدت مصر لتأمين نفوذها في الجنوب، وكتب محلل شؤون جنوب السودان "دينج ألينج" أن مصر تهدف إلى تأمين نفوذ الجيش الشعبي لتحرير السودان على الجنوب، وتوحيد الحركة لكسب النفوذ على البلاد، ومنع محاولات السودان و(إسرائيل) وإثيوبيا للسيطرة على الجنوب.

وكان الهدف من ذلك ضمان سيطرة مصر على النيل ومنع المحاولات الخارجية لاستخدام المياه كورقة ضغط.

ويمكن القول إن التحدي الأكبر كان في أبريل/نيسان 2019، عندما تسارعت وتيرة الاحتجاجات المناهضة للحكومة، التي كانت قد بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2018، لتجبر في النهاية "البشير" على التنحي من الحكم الذي دام 30 عاما، وقد أعطى ذلك القاهرة أخيرا فرصة للتدخل في البلاد.

وبعد فترة وجيزة من رحيل "البشير"، سرعان ما تحركت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، المتحالفتان مع القاهرة، لضمان بقاء الحكم العسكري السلطوي ومنع التحول إلى الديمقراطية المدنية.

وقد تعهدا بتقديم 3 مليارات دولار إلى المجلس العسكري الانتقالي، وذلك بعد أن دفعت السعودية بالفعل نحو 90 مليون دولار للرئيس السابق "البشير"، ودعمت حكومة مستقبلية برئاسة اللواء "عبدالفتاح البرهان"، ونائبه سيئ السمعة "محمد حمدان دقلو"، الشهير بـ"حميدتي".

واشتهر "حميدتي" بارتكاب جرائم حرب في دارفور تحت حكم "البشير"، وارتكاب مذابح بحق المتظاهرين أثناء اعتصامات ما بعد سقوط "البشير".

وعلى الرغم من أن مصر أعربت عن دعمها لرغبات السودان في أعقاب الثورة، لكنها لعبت دورا سريا في التأثير على الانتقال، مع أهداف موازية للرياض وأبوظبي.

وقام "حميدتي"، وشخصيات أخرى في المجلس العسكري، بزيارة القاهرة مرارا، وتلقى مباركة الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، ويعني هذا أنه إلى جانب الدعم المالي الوفير الذي تلقوه، فقد اكتسبوا الشرعية أيضا في ذلك الوقت، وشجع دعم مصر "حميدتي" والمجلس العسكري الانتقالي على قمع المتظاهرين بوحشية بعد الثورة.

وحذر المصريون والمراقبون الخارجيون من أن ثورة السودان قد تواجه نفس المصير الذي تمر به مصر في عملية الانتقال الفاشلة؛ عندما أطاح الانقلاب العسكري عام 2013 بحكومة "الإخوان المسلمون" المنتخبة والرئيس "محمد مرسي"، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاستبداد.

وكانت لدى مصر مخاوف أمنية من جارتها السودان "كفناء خلفي"، خاصة أن هناك 5 جيوش غير نظامية كانت موجودة هناك قبل رحيل "البشير".

وقد سعت القاهرة إلى التأكد من هذه الانقسامات لن تؤدي إلى حرب أهلية، لأن هذا كان مصدر قلق بعد تغيير النظام وصعود المجلس العسكري الانتقالي.

وبصرف النظر عن هذه التهديدات الأمنية، كان لدى القاهرة 3 مطالب رئيسية من المجلس: تسليم الهاربين من جماعة "الإخوان المسلمون" المصرية، وعدم إثارة قضية مثلث حلايب المتنازع عليه، وهي منطقة تسيطر عليها مصر وأدت إلى توترات مصرية سودانية منذ الحقبة الاستعمارية، وتعليق الاتفاقية مع تركيا للسيطرة على مدينة سواكن الساحلية وأهدافها المزعومة لبناء قاعدة عسكرية هناك.

وقبل كل شيء، سعت مصر إلى نظام ودي لضمان عدم تهديد إمدادات مياه النيل.

ومع وجود بعض الاختلافات الطفيفة، توحدت الدول الثلاث؛ مصر والسعودية والإمارات، في السعي لاحتواء التحولات الديمقراطية في السودان، علاوة على ذلك، حاولت القاهرة وحلفاؤها الخليجيون استغلال الفرصة لتطهير النظام الجديد من النفوذ الإسلامي.

وقد تغيرت السياسة الخارجية لمصر بشكل ملحوظ منذ انقلاب عام 2013، فبعد قمعها لجماعة "الإخوان المسلمون"، سعت القاهرة لمحاربة الجماعة في كل مكان آخر.

وقد أعادت تأسيس تعاونها مع (إسرائيل) لحصار قطاع غزة بقسوة لعزل "حماس"، التي كانت لها صلات تقليدية بـ"الإخوان المسلمون".

ودعمت مصر أمير الحرب المارق "خليفة حفتر" في ليبيا، الذي حاول "جيشه الوطني الليبي" الاستيلاء على البلاد بالقوة والسيطرة عليها وسحق الإسلاميين السياسيين مثل "الإخوان المسلمون".

كما رأت القاهرة فرصة في تلك الأحداث لإبعاد السودان عن قطر، حيث قامت جميع الدول الـ3 التي تتدخل في السودان بحصار وقطع العلاقات مع قطر منذ يونيو/حزيران 2017، متهمةً الدولة الخليجية بدعم "الإرهاب".

وأقنعت مصر، في إطار تحالفها الثلاثي مع الرياض وأبوظبي، الجنرالات العسكريين السودانيين الأقوياء بالتخلص من "البشير"، لأن تحالفه مع تركيا وقطر وعلاقاته الدافئة مع "الإخوان" قد دفعت القاهرة للشعور بالتهديد.

ومع ذلك، لا تتشارك الرياض وأبوظبي المخاوف الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية التقليدية نفسها التي تهتم بها مصر، وبالتالي تعد استراتيجيتهما قصيرة النظر.

وقد يتسبب هذا في الواقع في عزل مصر والحد من قدراتها المستقبلية للتأثير على نظام السودان، خاصة إذا استمرت حكومة ما بعد المرحلة الانتقالية في رفض التدخل الخارجي، كما فعلت المعارضة من قبل.

وبعد كل شيء، نظرا لضخامة الاحتجاجات في السودان، فضلا عن الضغوط من الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، فقد اضطر الجيش للتوقيع على اتفاق لتقاسم السلطة مع المعارضة السودانية في يوليو/تموز 2019.

علاوة على ذلك، قد يعوق تطلعات مصر لأن يصبح "حميدتي" رجل السودان القوي في المستقبل سمعته الشنيعة بارتكاب الانتهاكات العسكرية.

ومع ذلك، قد تسعى القاهرة إلى استخدام تهديد سد النهضة الكبير في إثيوبيا لحقوق النيل، والذي كان قيد الإنشاء منذ عام 2011، لتوحيد العلاقات مع السودان.

وتخشى كل من الخرطوم والقاهرة أن يعرض هذا المشروع إمدادات المياه الخاصة بهما للخطر، وواصلا المحادثات مع إثيوبيا حول مثل هذه المخاوف المستقبلية في ديسمبر/كانون الأول 2019.

ومع وجود التحذيرات من أن مصر قد تواجه "أزمة مياه هائلة بحلول عام 2025، فمن الواضح أن تعظيم السيطرة على المياه يبقى أمرا حيويا للقاهرة.

وعلى الرغم من أن معالم المستقبل غير واضحة، فمن المرجح أن حكومة السودان المستقبلية لن تتعرض بسهولة للتلاعب من جانب مصر، وبالتالي لا تزال المخاطر كبيرة بالنسبة للعلاقة بين الدولتين المتجاورتين.

المصدر | جوناثان هارفي | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد