في 15 يناير/كانون الثاني الجاري، أعلن وزير الطاقة الاسرائيلي "يوفال شتاينتز" ونظيره المصري "طارق الملا" عن بدء ضخ الغاز الطبيعي من (إسرائيل) إلى مصر.

ويمثل هذا الإعلان المشترك علامة فارقة وحجر زاوية في العلاقات بين البلدين، كما أنه يؤكد على الأهمية المتزايدة لحوض البحر المتوسط فيما يتعلق بسياسات مصر الخارجية و الاقتصادية وحتى الأمنية في السنوات القليلة الماضية وتوجه مصر لوضع تلك القضايا على أعلى قائمة أولوياتها.

تجلى هذا التوجه أيضًا في مؤتمر الشباب الذي عقد في ديسمبر/كانون الأول 2019 بشرم الشيخ، وتضمن المؤتمر نقاشاتٍ حول مجموعة من الموضوعات المتعلقة بالبحر المتوسط ودول حوضه، ابتداءً من موضوعات الطاقة والمناخ مرورًا بالبطالة والهجرة غير الشرعية وانتهاءً بهوية شعوب المتوسط.

بدورها، لم تكن (إسرائيل) غائبة عن الصورة الجديدة التي تحاول مصر رسمها للمتوسط، لكنها قد تبدو لاعباً هامشيًا قليلًا إذا ما أزيل موضوع الغاز الطبيعي عن الصورة. و لـ(إسرائيل) عدة مصالح في توسيع علاقاتها مع مصر، ولديها القدرة على ترويج ذلك الهدف من خلال صياغة مجموعة من السياسات التي تؤثر على جوانب مختلفة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى التركيز على ما تطلق عليه روح "المنطقة المشتركة".

برعاية الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، عقد منتدى الشباب العالمي الثالث (WYF) في شرم الشيخ في الفترة بين 12 إلى 17 ديسمبر/كانون الأول 2019، والذي حضره أكثر من 7 آلاف شاب من مختلف دول العالم.

في هذا العام كان موضوع النقاش المحوري عن كيفية تعزيز تعاون دول حوض الأبيض المتوسط في العديد من المجالات وعلى رأسها مجالات الطاقة والعمالة والمناخ والتطوير العلمي والهجرة غير الشرعية والحرب ضد الإرهاب.

تم تخصيص جلسات خاصة لتناول الموضوعات المحورية المتعلقة بدول المتوسط وجلسات أخرى للموضوعات الجانبية كالعوامل التاريخية والثقافية المشتركة بين السكان المحليين، عكس جدول أعمال المنتدى التركيز الملحوظ لمصر على تقديم موضوعات البحر الأبيض المتوسطة على قائمة أولوياتها السياسية والاقتصادية، ومحاولات مصر في تقديم نفسها كدولة محورية في هذه المنطقة.

وتعتبر (إسرائيل) شريك مصر الرئيسي في صفقة الغاز وعضو أساسي في منتدى شرق البحر المتوسط للغاز (EMGF) الذي أنشئ في يناير/كانون الثاني من العام الماضي بمشاركة كل من قبرص، واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، وظل دور (إسرائيل) هامشيا في باقي القضايا غير المتعلقة بالغاز ولذلك فهي بحاجة إلى إعادة صياغة سياسة شاملة للبحر المتوسط تمكنها من اقتناص فرص أخرى لتطوير علاقاتها مع مصر في حوض البحر المتوسط.

مصر دولة متوسطية

أولت مصر أهمية متزايدة لمنطقة البحر المتوسط في السنوات القليلة الماضية في ضوء 3 تطورات رئيسية؛ الأول كان اكتشاف حقل غاز ظهر، والذي يغطي أكثرية احتياج مصر من الغاز، الثاني كان انطلاق منتدى شرق البحر المتوسط للغاز (EMGF) في 2019 ممهدًا الطريق لمصر لكي تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة بهدف إنشاء سوق غاز محلية وتطوير الموارد والبنى التحتية وزيادة التنسيق والحوار بين دول الأعضاء.

وزادت أهمية تلك المبادرة في المؤتمر الثالث لممثلي منتدى شرق البحر المتوسط للغاز (EMGF) في 16 يناير/كانون الثاني 2019 في القاهرة، عندما تقرر تسمية المنتدى كمنظمة حكومية دولية، حيث تقدمت فرنسا بطلب عضوية كاملة و تقدمت الولايات المتحدة بطلب المشاركة كمراقب دائم.

أما التطور الثالث فكان التهديد الذي مثلته تركيا للتعاون الإقليمي بخصوص قضية الغاز لرفضها الاعتراف بحدود قبرص البحرية، وازداد التوتر بين القاهرة وأنقرة مؤخرًا عام 2019 في أعقاب توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في ليبيا.

نشر المركز المصري للدراسات الاستراتيجية في تقرير خاص جرى تقديمه في مؤتمر الشباب أن اكتشافات الغاز في شرق البحر المتوسط خلقت ديناميكية إقليمية جديدة، بما في ذلك تشكيل كتل اقتصادية و بناء علاقات سياسية متشعبة وتكوين تحالفات وتحالفات مضادة.

أوضح التقرير أيضًا أن مصر عرضت على كل من (إسرائيل) وقبرص الحلول الأقل تكلفة لتصدير الغاز إلى أوروبا والأسواق الخارجية، اعتمادًا على بنيتها التحتية لإسالة ونقل الغاز والتي يمكن توسعتها بتكاليف قليلة نسبيًا إذا دعت الحاجة. ستكون مصر بدورها مستفيدة من خلال حصتها من الأرباح، ومن خلال تعزيز وجودها الإقليمي بتعريف نفسها كمركز لصادرات الغاز إلى أوروبا.

في المؤتمر، تم تقديم برنامج أعد برعاية "اتحاد دول المتوسط" (UFM)، وهي منظمة حكومية دولية تتضمن 43 دولة (من بينها إسرائيل)، وتهدف إلى تعزيز التعاون والحوار بين دول البحر الأبيض المتوسط، يرأسها الدبلوماسي المصري "ناصر كامل" منذ عام 2018.

ناقش المشاركون في البرنامج طرق التغلب على النقص في الوظائف في المنطقة التي تعدت فيها نسبة البطالة 12.5% (أغلبهم شباب من دول جنوب المتوسط) كما ناقشو التحديات البيئية كالمناخ الذي تجاوزت سخونته أكثر من 20% من المتوسط العالمي.

في الجلسة الختامية للبرنامج، أعلن "السيسي" عن نية مصر لإعادة إحياء بحيراتها الخمس على طول ساحلها الشمالي مع البحر الأبيض المتوسط، كما أعلن عن خطته لتطوير مدينة تعليمية "أوروبية - متوسطية" في مدينة العلمين الجديدة شرق الأسكندرية (قيد الإنشاء حاليًا وصممت لتتسع لحوالي 3 ملايين نسمة).

تم تخطيط المدينة أيضًا لتشمل مشاريع تكنولوجية وسياحية، بالإضافة إلى مركز لرعاية وتطوير المشاريع تحت إشراف الاتحاد، ومن المقرر أن يعقد بها مؤتمر شباب البحر الأبيض المتوسط لعام 2021.

تحدٍ إقليمي آخر نوقش في مؤتمر الشباب، وهو الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط، أكدت فيه مصر على نجاحها في منع المهاجرين غير الشرعيين في العبور إلى أوروبا عبر أراضيها منذ عام 2016.

في نفس الوقت أشارت مصر إلى الحاجة إلى المزيد من التعاون بين دول جنوب البحر الأبيض المتوسط "الشابة" (حيث أكثر من 60% من سكانها تحت الثلاثين) وبين دول شمال المتوسط "العجوز" لخلق استجابة متكاملة لاحتياجات سوق العمل الإقليمية.

من وجهة نظر مصر تكون الاستجابة لمثل هذه المشكلة من خلال إصدار المزيد من القوانين التي تنظم الهجرة القانونية من دول جنوب المتوسط لدول شمال المتوسط، بالإضافة إلى تعزيز أمان واستقرار دول الجنوب لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل محلية.

في السنوات الأخيرة، عملت مصر على بناء "هوية المتوسط" حيث تم تقديمها للأجيال الناشئة كأحد أهم أعمدة "الشخصية المصرية"، وتم عمل معرض على هامش مؤتمر الشباب تضمن معروضات عن الثقافة "المتوسطية" بنصوص تصف دور مصر التاريخي في التواصل مع دول البحر الأبيض المتوسط الـ21 في مسائل التجارة والفلسفة والفن والعمارة وكيف شكل كل ذلك صورة مصر الحالية.

كما كان هناك عرضًا موسيقيًا في حفل افتتاح المنتدى وصف الأسكندرية بالمدينة التي تحمل في طياتها "تاريخ المصريين واليونانيين والرومان أيضًا" وبرمز التحالف القوي بين أوروبا ومصر.

تبني الهوية المتوسطية يعبر عن مدى رغبة مصر في التأكيد داخليًا وخارجيًا على دورها الإقليمي والذي سيكون حجر الأساس لتعزيز علاقاتها الإقليمية وتوسيع بصمتها في المنطقة لتتجاوز كونها مركزًا اقتصاديًا إلى مركز ثقافي ونقطة تلاقي للقارات والبلدان والحضارات والأديان.

ناقش المؤتمر أيضًا الأسس الثقافية والتاريخية التي تجعل من منطقة البحر المتوسط "إقليمًا" ومن شعوبها "مجتمعًا"، في ذلك السياق تحدثت وزيرة الهجرة وشؤون المغتربين المصريين "نبيلة مكرم" عن أسبوع إحياء الجذور لعام 2018، وهي مبادرة حكومية مصرية دعي فيها 140 شخصًا من نسل الأسر اليونانية والقبرصية الذين عاشوا في مصر من قبل، لما أطلق عليه "رحلة العودة"، نظمت فيها زيارات إلى الأماكن التي عاش فيها أسلافهم.

أهمية (إسرائيل)

لم تكن (إسرائيل) غائبة عن الخطاب المتوسطي الذي تروج له مصر، لكنه إلى الآن لم يتجاوز دورها نطاق المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين، وتحديدًا مجال الغاز، في رأي مصر هناك مثلث ارتكاز في قلب منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ مصر، اليونان وقبرص، مع (إسرائيل) كشريك ثانوي له دور محدود.

في إحدى تقاريره، ذكر المركز المصري للدراسات الاستراتيجية أن (إسرائيل) لا يمكنها المشاركة في التدريبات العسكرية الدورية المشتركة بين مصر واليونان وقبرص على الرغم من أنها تشاركهم نفس الرؤية الأمنية، وألمح التقرير إلى أن مشاركة أو حضور (إسرائيل) سيجعل من الصعب رفع مستوى العلاقات في المنطقة إلى "تحالفات مطلقة".

وعلى الرغم من التحفظات السياسية التقليدية في علاقاتهما، لكن البحر المتوسط يوفر لـ(إسرائيل) ومصر العديد من الفرص لتعميق علاقتهما، أولًا من خلال الغاز ومجال الطاقة؛ فـ(إسرائيل) بحاجة لتوسيع التعاون مع مصر لتطوير الموارد والبنية التحتية وتشجيع الحوار المهني بين العناصر في الحكومات والشركات والخبراء من كلا الجانبين.

ويعتبر تنفيذ اتفاقية الغاز ودعوة مصر للانضمام إلى مشروع إنشاء أنابيب الغاز إلى أوروبا بالتعاون مع (إسرائيل) واليونان وقبرص، ما هي إلا خطوت في الاتجاه الصحيح للتأكيد على أن مجال الطاقة هو أحد عناصر الاستقرار في العلاقات المصرية الإسرائيلية وكذلك في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

ثانيًا، يجب على (إسرائيل) صياغة سياسة متوسطية شاملة من أجل توسيع نطاق مصالحها المشتركة مع مصر ودول أخرى بعيدًا عن مجال الغاز، من أجل ذلك يجب أن تعمل (إسرائيل) على المساهمة في الموضوعات المتعلقة بالبحر المتوسط، كموضوعات البيئة والطاقة المتجددة وتحلية مياه البحر، والتأهب لحالات الطوارئ، والتعليم وتطوير العلوم والتوظيف، وتستطيع (إسرائيل) من خلال "اتحاد دول المتوسط" توفير منصة بناءة للاندماج الاسرائيلي في مشاريع إقليمية من هذا النوع.

كما يجب على (إسرائيل) تخصيص المزيد من الموارد والقوى العاملة لتعزيز نفوذها في هذا الإطار (منذ عام 2016 قررت (إسرائيل) لاعتبارات مالية ألا تعين ممثلًا لها في مقر اتحاد دول المتوسط ببرشلونة).

ثالثًا، يمكن لـ(إسرائيل) مثل مصر الاستفادة من تعزيز هوية البحر الأبيض المتوسط التي تؤكد على القواسم المشتركة بين بلدان المنطقة وقيم الانفتاح المتبادل، والتسامح وتقبل الآخر.

ولدى (إسرائيل) القدرة على العمل من أجل تشجيع العلاقات بين شعوب المتوسط، وتعزيز العلاقات بين شباب البلدان المختلفة، وتدعيم التبادل الثقافي، في النهاية سيصب كل ذلك في تشكيل روح "منطقة مشتركة" وسيساعد على دمج (إسرائيل) في المنطقة.

بدورهما، يمكن لـ(إسرائيل) ومصر العمل على الترويج لمبادرة مماثلة لمبادرة "إحياء الجذور" بمشاركة أحفاد الجالية اليهودية في الإسكندرية والتي يبلغ عددهم 40 ألف شخص، كما يعد تجديد كنيس "إلياهو هانوي" في الإسكندرية، الذي أعيد افتتاحه للزائرين هذا الشهر، مثالاً ملهمًا آخر على عالمية مشروع إقليم البحر المتوسط وإمكانية ترجمته إلى سياسة جديدة على أرض الواقع.

المصدر | معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد