الثلاثاء 28 يناير 2020 09:01 م

يسلط الدور الذي تؤديه شركة "فاجنر" الروسية، في توريد مرتزقة للقتال في ليبيا، إلى جانب قوات الجنرال "خليفة حفتر"، الضوء على تمدد نفوذ الشركات العسكرية الخاصة، حول العالم.

وتنشط تلك الشركات في الأماكن التي لا تستطيع الدول التدخل فيها رسميا، أو تفضل ألا تكون في الواجهة، ولذلك تعرف باسم "جيوش الظل"، حيث تؤدي أدوارا خطيرة، في العديد من بؤر الصراع حول العالم.

  • حرب العراق

منذ تسعينات القرن الماضي، بدأت الجيوش النظامية في اللجوء إلى خدمات شركات عسكرية خاصة؛ لتنفيذ المهام التي لم تعد قادرة على القيام بها، بل وتأسيس شركات تابعة لها يديرها جنرالات سابقون.

وخلال حرب العراق عام 2003، شهد نشاط تلك الشركات توسعا، بعد حصولها على عدة عقود لتوفير حماية خاصة للأفراد والمنشآت، ومهام الإمداد والتموين، وعمليات الاغتيال، والحرب الإلكترونية، والتجسس، وقيادة الطائرات بدون طيار، والقيام بمهام نوعية برية وجوية وبحرية.

ووفق الخبير في الشؤون العسكرية "ألكسندر فوترافيرس"، المدير بقسم العلاقات الدولية بجامعة ويبستر في جنيف، فإن اللجوء إلى شركات المرتزقة يعود إلى أن العقود معها تتم لفترة قصيرة للغاية (أسابيع أو شهور)، وهو ما يصعب القيام به بالنسبة للجيوش النظامية المحترفة.

كذلك توفر "جيوش الظل" فرصة للحكومات للقيام بالنشاطات المشبوهة أو ما يعرف بـ"المهام القذرة"، التي لا تستطيع الجيوش التقليدية القيام بها، ولا يستطيع الساسة تحمل مسؤوليتها أمام شعوبهم. وفي مقابل ذلك تحصل هذه الشركات على أجور وامتيازات باهظة.

  • أمريكا الأولى

وتعد الولايات المتحدة أهم سوق للشركات العسكرية الخاصة حول العالم، حيث جرى استخدامها وتوظيفها بشكل مفرط في حربي أفغانستان والعراق، وفي منطقة الخليج بشكل عام.

وتعمل شركات أمريكية في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، بـ"طريقة مقنعة"، لإخفاء صلاتها بالولايات المتحدة، وهي تضم العديد من العسكريين الأمريكيين القدامى.

وتفيد دراسة صادرة عن الكونجرس الأمريكي، عام 2009، أن 65% من القوات التي ترسلها وزارة الدفاع الأمريكية إلى أفغانستان تابعة لشركات أمن خاصة، وأن نسبة 29% من قوة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، من المرتزقة.

ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد شركات المرتزقة، لكن تقرير سويسري حكومي صدر في عام 2013، أشار إلى موافقة 592 شركة عسكرية خاصة، على الانضمام لـ"وثيقة مونترو" الداعية إلى احترام حقوق الإنسان في مناطق النزاعات.

وتفيد تقديرات سويسرية، بأن حجم النشاط السنوي لتلك الشركات يفوق 100 مليار دولار، وسط توقعات بأن الرقم يفوق ذلك بكثير، بعد تنامي عدد "جيوش الظل"، وتعدد المهام الموكولة إليها، وسخونة الصراعات الدائرة في سوريا وليبيا واليمن وأوكرانيا، ومناطق أخرى.

  • أهم الشركات

وتعتبر شركة "بلاك ووتر" من أهم الشركات العالمية في مجال تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية، وهي توظف أكثر من 21 ألف جندي سابق من القوات الخاصة، ولديها تجهيزات عسكرية متطورة، وفق موقعها الإلكتروني.

وتمتلك الشركة التي غيرت اسمها مرات عدة، بسبب الفضائح التي لاحقتها في العراق، أكبر موقع خاص للتدريب والرماية في الولايات المتحدة، والذي يمتد فوق مساحة 28 كيلومترا مربعا ويقع في ولاية كارولاينا الشمالية.

وتنشر "بلاك ووتر" التي تأسست عام 1997، مرتزقتها في أكثر من 40 دولة، وحققت أرباح مالية تقدر بالمليارات، بحسب موقع "بيزنس إنسايدر".

أما العملاق الأمني البريطاني "جي فور إس" (مقرها لندن)، فهي شركة ضخمة توظف أكثر من 620 ألف شخص، وتوصف بأنها "أكبر جيش خاص"، وتشمل عملياتها 125 دولة، محققة دخلا سنويا قدر بنحو 9.6 مليارات دولار في عام 2014.

وتتولى "جي فور إس" مسؤولية الأمن في أكثر من 150 مطارا في العالم، إلى جانب حماية العديد من السجون، وتأمين البطولات الرياضية الكبرى.

بينما توظف شركة "داينكورب" (مقرها ولاية فرجينيا الأمريكية) نحو 17 ألف شخص، وقدرت عائداتها في عام 2010 بنحو 4 مليارات دولار، ومن أبرز المهام التي أسندت إليها، تدريب الجيش العراقي، وتنفيذ خدمات صيانة وتطوير لأسطول الطائرات الأمريكية في العراق والكويت وأفغانستان.

وتنتشر "كونترول ريسك" (مقرها لندن)، عبر أكثر من 36 مكتباً حول العالم، وهي معنية بتوفير الاستشارات الاستراتيجية، وتوفير الأمن على الأرض، وقامت في السابق بتأمين الحماية للحقول النفطية في العراق، وبلغت إيراداتها نحو 223.32 مليون دولار في عام 2010.

وتوظف "كيلوج براون رووت" (مقرها هيوستن الأمريكية)، أكثر من 27 ألف شخص في أكثر من 70 بلدا، ولها تواجد كبير في كل من كوبا وكوسوفو وأفغانستان والعراق.

  • حضور روسي

بدورها، تحظى روسيا بحصة ثمينة من كعكة "جيوش الظل"، عبر عدة شركات أبرزها "فاجنر"، وهي النسخة الروسية من "بلاك ووتر" الأمريكية، وتنفذ عمليات عسكرية في دول عدة منها أوكرانيا وفنزويلا وسوريا وليبيا وجنوب السودان، ومناطق أخرى في أفريقيا، تحت مسمى خدمات أمنية.

ويقع معسكر تدريب "فاجنر" (تأسست 2014) في مولكينو قرب كراسنودار جنوب روسيا، في الموقع ذاته الذي تتمركز فيه كتيبة للقوات الخاصة والاستخبارات العسكرية الروسية، ويتردد أن مقاتلو الشركة يحصلون على امتيازات العسكريين النظاميين.

ويبرز دور مرتزقة "فاجنر" الروسية في العمليات الدائرة في ليبيا، حيث يدعمون قوات "حفتر" الموالي للرياض وأبوظبي والقاهرة، ويحصلون على تمويل لعملياتهم من السعودية، وفق صحيفة "لوموند" الفرنسية.

وهناك مجموعة "موران"، التي تعرف أيضا باسم "الفيلق السلافي"، وهي شركة أمنية خاصة مسجلة في هونج كونج باسم عسكريين روسيين سابقين، شاركوا في الحرب الشيشانية، ولها دور كبير في العمليات الدائرة في سوريا وليبيا.

وهناك شركة "شيت" (الدرع) الأمنية الخاصة الروسية، ويعتقد أنها تتبع لوحدة القوات الخاصة في القوات الجوية لروسيا، وتقوم بنقل مقاتلين تابعين لها من مناطق القتال في سوريا إلى ليبيا، ضمن دعم روسي سري لـ"حفتر".

وتبرز شركات روسية أخرى، مثل "شيلد" و"باتريوت" التي يرجح أنهما تابعتان لوزارة الدفاع الروسية، إضافة إلى شركة "فيجا"، وهي شركات توفر خدمات أمنية في مجالات عدة، وتقوم بمهام ذات طابع سري.

  • مرتزقة الإمارات

عربيا، تبرز الإمارات، كواحدة من أكثر الدول اعتمادا على المرتزقة؛ لتنفيذ أجنداتها الخارجية خاصة في اليمن وليبيا والسودان والصومال، بالتزامن مع تمدد نفوذ أبوظبي كرأس حرب لمشروع ما يعرف بـ"الثورة المضادة".

وتستضيف الإمارات، مقار ومكاتب لتلك الشركات، وتقوم بإسناد مهام لها؛ كتنفيذ عمليات قتل بالوكالة سواء لدعم حلفائها أو للإطاحة بأنظمة يعتبرها حكام أبوظبي مناوئة لمصالحهم، دون الزج بالجيش الإماراتي في مناطق صراعات ملتهبة.

ووفق موقع "بازفيد" الأمريكي، فإن أبوظبي تعاقدت مع شركة أمن خاصة أمريكية تسمى "سباير أوبريشن"، وذلك بهدف تشكيل فرقة مرتزقة تضم جنود سابقين أمريكيين وفرنسيين؛ لتنفيذ عمليات اغتيال ومهام قذرة في اليمن.

حيث كلفت الفرقة بتصفية لائحة تضم شخصيات سياسية ودينية في اليمن مقابل 1.5 مليون دولار، إضافة إلى علاوة خاصة بكل عملية اغتيال ناجحة.

ومن المتوقع وفق تقارير استخباراتية، تزايد الاعتماد على المرتزقة في ليبيا، في محاولة من جانب الإمارات والسعودية ومصر لتحدي القرار التركي بإرسال قوات لدعم حكومة "الوفاق" المعترف بها دوليا، ما ينبئ ببؤرة صراع أكثر سخونة، ومجال كبير مفتوح لنشاط "جيوس الظل".

المصدر | الخليج الجديد