الثلاثاء 28 يناير 2020 11:57 ص

مركزية عُمان ومستقبل الخليج العربي

عُمان عاشت اضطراباتٍ واسعة أيضاً، على الصعيد القبلي وارتدادات التدخل العربي والأجنبي.

ليس واردا في مثل هيكل الدولة العُمانية القفز على النظام السلطاني ولا يوجد تيار له حضور يدعو لذلك.

تأمل الحركة الفكرية الوطنية بدخول السلطنة عهد مشاركةٍ شعبية جديدا تنتقل من نهضة تأسيسية إلى مأسسة الدولة المدنية.

تحققت لعُمان قاعدة تأسيس فارقة لقواتها المسلحة، أظهرت حضوراً وانسجاماً قوياً في تغطية انتقال السلطة، وسرعته القياسية.

*     *     *

هناك نقص كبير في الذاكرة العربية المعرفية والمعلوماتية عن تاريخ الخليج العربي، إقليما من أقاليم المشرق العربي. بعض هذه المعلومات هي أساس علمي تاريخي وجغرافي بحت، لا يمكن دونه فهم المستقبل الاستراتيجي للخليج العربي، فتاريخياً ينقسم الخليج العربي إلى مكونين جغرافيين أساسيين، هما عُمان والإحساء التي كانت تسمى البحرين سابقاً، وليست الجزيرة الحالية التي تمثلها مملكة البحرين، فهذه الجزيرة تسمّى أوال، حيث تمثل عُمان وشريطها الساحلي الذي تحول إلى دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، وحتى اليمن القسم الجنوبي من الخليج.

في حين تُمثّل الإحساء (البحرين التاريخية) من جنوب البصرة، حتى ساحل عُمان القسم الشمالي، حيث الكويت والبحرين وقطر كانت تندرج ضمن هذا الإقليم، وهي جغرافيا عربية شهدت صراعاتٍ وإمارات عشائرية، ونزاعات عديدة، غير أن كتلة الإقليم شملت هذه الحدود، وهي متحدة المرجعيات الحضارية، منذ حضارة دلمون والفينيقيين حتى بعثة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم.

وتجسّدت هذه الجغرافيا المتحدة في كياناتٍ سياسية، أبرزها الدولة العيونية ثم الجبرية، وهنا تصحيح مهم لفهم تاريخ الخليج العربي والجغرافيا السياسية التي تخلط بين تاريخ وجغرافيا الدولة السعودية وبين التاريخ الطبيعي والاجتماعي للخليج العربي.

فقلب الدولة السعودية، وهو هضبة نجد، كان ضمن نفوذ هذا الإقليم وسلطته السياسية، حيث أطلق السلطان مقرن الجبري مسمّى الرياض على إحدى بلداتها، والتي تمثل عاصمة الدولة السعودية اليوم، وكانت بادية الشرق، تطوف بين الساحل والهضبة.

أما أدوار الدولة السعودية، فكانت إمارة عشائرية في دوريها، الأول والثاني، لكنها خاضت حروبها وفقاً للأيديولوجيا العقائدية التي انتهت بمواجهة دموية عنيفة مع الدولة العثمانية.

وقد ورثت الآستانة هذا التقسيم الإقليمي من الممالك العربية السابقة في الساحل، حيث كانت نجد تتبع قائم مقام الهفوف العاصمة الإدارية لإقليم الإحساء، وهو سياقٌ موروثٌ من دولة الجبور العقيليين، فالدولة السعودية الثالثة هي التي توسعت، بعد حروب شاملة ضد الأقاليم.

فضمتها تحت مفهوم الجهاد المذهبي ضد العالم السني في حينه، من ساحل الخليج العربي حتى الحجاز، وهذا لم يحصل إلا بعد 1932؛ أي أنهُ حديث، فالكيان السياسي السعودي ليس مرجعاً للجغرافيا التاريخية بل العكس، الجغرافيا التاريخية هي الأصل. وبَسْطُنا هذه المعلومات الأساسية ليصحّ للقارئ العربي الفصل بين إقليم الخليج العربي وتاريخه، وبين هيكل الكيان السعودي، حيث دائماً تضطرب الفكرة لدى القراء العرب، عن هذه الجغرافيا المؤثرة جداً.

فمثلا، لا جامع أو حاضن مشتركًا لهذه الأقاليم، رغم اتحاد العروبة والإسلام لشعوبها، فلم تخلق السعودية أصلاً رابطة اجتماعية وطنية، تحيي قيم الفرد وحقوقه، وتنظم الجغرافيا السياسية بناء عليها، فالتصنيف (الوطني) قام على تبعية الولاء للأسرة الحاكمة، فأصبحت الأسرة وطناً جبرياً من دون حقوق.

هذا ليس موجوداً في عُمان، فعُمان هي عُمان قبل السلطان قابوس وبعده، بل وحتى خلال صراع الأئمة والقبائل، وصراع عُمان مع الغزو البرتغالي، وبالتالي نفهم هنا ما الذي تعنيه هذه الجغرافيا التاريخية للخليج العربي، بواقعها اليوم، أو انهياراتها وسقوط دول بأكملها واندماجها، أو انقسامها.

هنا تبدو لنا الصورة واضحة، ماذا يعني للعرب في إقليم الخليج، الاستقرار السياسي والاجتماعي في عُمان، وهنا حين نعود إلى مصطلح النهضة في تاريخ عُمان الحديث نحدّد مساره، وهو أن الدولة انتقلت إلى فضاء مدني، وتأسيس عمراني وتقدم لرحلة الإنسان الفكرية، وانفتاح على الفنون، على الرغم من بقاء الانتماء الديني والقبلي العميق في الجغرافيا الاجتماعية لعُمان، والتي أيضا احتضنت الشرائح الحضرية المتعدّدة الأصول والأعراق، بحكم انفتاح عُمان على الجوار الآسيوي المتداخل معنا في الخليج.

وعلى الرغم من حرب المقاومة والاستقلال العظيمة التي خاضها الأئمة الإباضية في عُمان، ومواجهة كل من البرتغاليين والإنكليز، وحضور جوانب حضارية ومنظومة عدل سياسي، غير أن عُمان عاشت اضطراباتٍ واسعة أيضاً، على الصعيد القبلي وارتدادات التدخل العربي والأجنبي، فيما استقرت بعد المصالحة السياسية والاجتماعية التي عمل عليها السلطان قابوس.

وباتت الفكرة الإيمانية بالإسلام أيضاً ضمن السلوك والأخلاقيات العُمانية، ومثلت توازنا ودعما للاستقرار الاجتماعي، وتعرّضت عُمان لعدة محاولات تدخّل، منذ حسمها المواجهة العسكرية مع السعودية في البريمي، لكن الإشكالية الأخيرة كانت في المخاوف من تركيز مشروع أبو ظبي عليها، لمد نفوذ ولي عهدها إلى مسقط.

وكانت هناك دلالاتٌ تشير إلى أن ضمن شبكة المشروع محاولة توظيف قبلي، وداخل الأسرة الحاكمة. حُسم الأمر بسرعة عبر وصية السلطان، وأظهرت أسرة البوسعيد الحاكمة اتحاداً، انعكس على المشهد الوطني العُماني، وعلى موقف الشعب العربي في الخليج، الذي يعرف تماماً ما الذي يعنيه زجّ مسقط في تجاذبات مشروع أبو ظبي.

كل هذا لا يلغي ملفات عُمان الجديدة الصعبة، في عهد السلطان هيثم بن طارق، المعروف عنه أنه الأبرز في سياسة الحياد التي يدعمها الشعب العُماني، فحركة الوعي والثقافة في عُمان، وتقدّم المجتمع المدني، ومحدودية صلاحيات مجلس الشورى، على الرغم من تطوير آلية التعيين إلى انتخابات جزئية، باتت اليوم قضايا ملحّة ضمن أولويات المشاركة الشعبية، وفضاء حرية الرأي السياسي، في الإعلام.

وهناك ملفات عديدة على الصعيد المحلي، وخصوصاً التوازن بين انفتاح مسقط الآسيوي الاقتصادي وتوطين رأس المال والوظائف، ودعوات الإصلاح الاقتصادي الملحّة.

ولقد تحققت لعُمان قاعدة تأسيس فارقة لقواتها المسلحة، أظهرت حضوراً وانسجاماً قوياً في تغطية انتقال السلطة، وسرعته القياسية. ومن غير الوارد في مثل هيكل الدولة العُمانية، القفز على النظام السلطاني. ولا يوجد تيار له حضور يدعو إلى ذلك.

لكن الحركة الفكرية الوطنية تأمل في أن تدخل السلطنة إلى عهد مشاركةٍ شعبية جديد، تنتقل من مساحة النهضة التأسيسية التي دخلت العهد المدني إلى مأسسة الدولة المدنية، مدنية تؤمن برسالتها الإسلامية وأخلاقياتها العُمانية، وحيوية الحقوق الدستورية.

* مهنا الحبيل كاتب عربي مستقل، مدير المكتب الكندي للاستشارات الفكرية.

المصدر | العربي الجديد