السبت 1 فبراير 2020 08:19 ص

عُمان: تبطّل أم هو ازدهار "التعطّل"

هل ما تعانيه البلاد "تبطّل"، مرده عجز الفرد علميا ومهنيا أم هو "تعطّل" يهدر طاقات ويفوّت أزمنة ويتسع بالإهمال ويتعقّد بالتواكل؟

"القطاع الخاص" هو "القطاع الماصّ": يمتصّ الوفرة وينكمش بالأزمة ويزداد عجزه عن مساعدة الحكومة في تقليص أزمة "التعطّل".

القطاع الخاص غير قائم على الإنتاج ويفاقم أزمة "التعطّل" بتسريح العمّال والموظفين وقتما شعر بتراجع المعونات الحكومية.

بفضل النفط، ظهرت "رأسمالية الدولة" وسيطرت على جميع عناصر الإنتاج من خلال احتكار الانتفاع بكامل ثروات الأرض.

الدولة تنشئ وتدير مشروعات صناعية وتجارية وسيطرت على قوة العمل فغدت المُشغِّل الأكبر واستفردت بمركزية توزيع وإنفاق رأس المال.

*     *     *

كيف لبلد يُعدّ من أكثر دول العالم شباباً، أن يقف عاجزاً عن إبداع حلول جذرية في مسألة حيوية كالعمل؟ ثم، كيف لإدارته أن تُهدر الوقت باجترار المبررات، حتى تتراكم الأزمات وتتزاحم الأعداد ويفقد البشر قدراتهم على التحمّل، وعندئذ لا شيء بمقدوره منع الإنفجار!

تُبرز لنا مؤشرات التنمية البشرية المنشورة مؤخراً، عن منظمة الأمم المتحدة: أن الشباب في عُمان، وبالتحديد الذين تتراوح أعمارهم بين15 و24 سنة يشكلون ما نسبته 48.2 في المئة من عدد السكان. بيد أن 24 في المئة منهم لا يعملون!

هل صدقاً هذا مما يُثير الغرابة؟

كيف تحولت هذه الهِبة السكانية النفيسة، النعمة الإنسانية العظيمة -"المجتمع الفتيّ"، "الدولة الشابّة" - والتي لا تتوفر لثلثي سكان الكرة الأرضية ومجتمعاتها المصابة بالشيخوخة، كيف أمْست هذه الميزة عبئاً ثقيلاً وليس قيمة مضافة ترفع البلاد إلى مصاف التقدم والاستقرار؟ أيعقل أن الشباب والعافية يعجزان عن منح الإنسان مستوىً مُرْضياً من الرفاهة والكرامة؟

لنعُد إلى المصطلح الشائع قليلاً، لنتأمل حمولة معانيه:

 

بطالة أم عطالة أو بشكل أدق "تعطّل"؟

في العربية "عَطِل الشخص: بقي بلا عمل وهو قادر عليه و راغب فيه". إذاً القُدرة والرغبة هما العاملان الحاسمان في المسألة، وهما يتوفران في الشباب. و"شابٌّ" - للمفارقة - في الدارجة العُمانية تعني: المشتعل، المتقّد، وكأنه تطابق في المعنى والمبنى.

لكن، ثمة طرف يتحكم بالثروة وبالموارد، وهو الذي يفاخر ببسط سيطرته المركزية على عملية العرض والطلب في سوق العمل، وهو لم يترك هذا السوق يطّور نفسه وفق احتياجات أفراده، ثم لم يشحذ مخيلته بما يكفي ليخلق فرصاً كافية ومتجددة للشخص الراغب والقادر على العمل. ولم يسعَ لتمكين الفرد من تلك الفرص المستحَقة له كحق أساس من حقوقه كإنسان، وحقوقه كمواطن في دولة.

فهل ذلك "تبطّل"، كما يشاع ويُكرّس:"العمانيون ما مال شُغل"، و"الشباب غير مؤهل لاحتياجات السوق"، و"غير العماني أكثر التزاماً في العمل من العماني"، وغيرها من الاسطوانات الرائجة، والتي تُحيل إلى فساد الفرد وتمنّعه عن الشغل؟

مقولات جاهزة ومعلّبة لا تكرّس إلا لذات مهزومة ومتراجعة حتى عن فهم أبسط حقوقها وأوضح واجباتها. بينما الأمس القريب يؤكدّ صلابة تلك الذات في بناء تاريخ وحاضر بلادها، صبرها على التشتت في المنافي بحثاً عن لقمة عيش كريم بأقل الأجور وأشقّ الأعمال.

كل ما سبق مزاعم تثير العواطف! هكذا تردّ الحكومة الواثقة، غير المصغية إلى الاستغاثات المتصاعدة من الباحثين عن أمل.

حسناً، لنُعيد طرح التساؤل مجدداً: هل ما تعانيه البلاد هو "تبطّل" مرده عجز الفرد وضعف تكوينه العلمي والمهني، أم هو "تعطّل" يهدر طاقات ويفوّت أزمنة، يتسع بالإهمال ويتعقّد بالتواكل؟

نظرة عامة على الاقتصاد

"النمو الاقتصادي"الذي شهدته البلاد خلال العقود الخمسة الماضية لم يعد أسطورة عصية على الفهم. يُدرك الإنسان اليوم بأن ذلك يعود في مجمله لسبب معروف، تشترك فيه جميع دول منطقة الخليج العربي ألا وهو النفط.

إن المبالغ الكبيرة التي تأتت من بيع هذه السلعة الناضبة وتدويرها في الاقتصاد الوطني أعطت انطباعاً مضللاً بالرفاه وبالازدهار الاقتصادي، لأنها في حقيقة البناء الاقتصادي لم تخلق أي قاعدة إنتاجية صلبة، يعوّل عليها.

لا عن طريق التصنيع (الذي يرفده ثراء في الثروات المعدنية تحت الأرض، والبشرية فوقها)، ولا من خلال تطوير الزراعة (والذي تكْفله خبرة العمانيين التاريخية في فهم عبقرية مكانهم)، ولا إرتكازاً على توسيع التجارة ( الذي لا فضل لأحد فيه على موقع البلاد الاستراتيجي المفتوح على البحار والمحيطات).

وحتى تبنّي خيار نقل المعرفة وتوطينها (والذي هو متاح ومُشرع الأبواب إن لم يكن من الغرب، فالشرق على أهبة الاستعداد)، لم تحسم إدارة البلاد أمرها بشأنه على نحوٍ جاد. العكس هو الذي حدث.

ظهرت بشكل واضح "رأسمالية الدولة"، حيث سيطرت على جميع عناصر الإنتاج من خلال احتكار الانتفاع بكامل ثروات الأرض عن طريق انشاء وإدارة أغلب المشروعات الصناعية والتجارية.

كما سيطرت الدولة على قوة العمل فغدت هي المُشغِّل الأكبر، واهبةً الوظائف ووعود الرخاء والاستقرار لمن تشاء، واستفردت بمركزية توزيع وإنفاق رأس المال، حيث ضاعفت الإنفاق العام فتضاعفت معه أجور السوق التي لا تعكس الكلفة الاجتماعية الحقيقية للإنتاج.

حتى ما تسميه الأدبيات الرسمية بـ"القطاع الخاص" هو في الواقع "القطاع الماصّ": يمتصّ الوفرة وينكمش عند الأزمة. ويزداد بشكل جلي عجزه عن مساعدة الحكومة في تقليص أزمة "التعطّل" الجاثمة على أنفاس الجميع، لأنه ببساطة قطاع غير قائم على قاعدة الإنتاج.

وهو سيفاقمها تأزماً بتسريحه للعمّال والموظفين وقتما شعر بتراجع المعونات التي تمنحه إياها الحكومة. دون إغفال ظاهرة المتاجرة بمأذونيات العمل للعمالة القادمة من الخارج.

هذا القطاع ليس أكثر من مستحوذ على "توكيلات" و"عقود احتكارية" و"امتيازات خاصة" في قطاعات النفط والغاز والخدمات والاستيراد والتصدير والسلع المعيشية الأساسية. اعتماده على الحكومة كاعتماد الجنين على أمه داخل الرحم. لذا، ليس من الغرابة اليوم اعتبار ظاهرة "احتكار القلّة" أحد أهم أسباب "التعطّل" في البلاد.

هذه العلاقة المصانة بين قلة محتكرة ونظام ريعي، خنقت المساحات المحتملة لأي اقتصاد منتج يراهن على حيوية شبابه ويمكّنهم عن طريق توفير فرص متكافئة وفق كفاءاتهم وقدراتهم على التنافس. هناك قلة محتكرة بسطت نفوذها منذ خمسة عقود، تمكنت من التحكّم بتكتّلات نافذة لها قدرة على تشغيل مجموعة واسعة من القطاعات".

قلة تستحوذ على أغلب مناقصات الدولة ومشاريعها التنموية، تتملّك الحصص الكبرى في الشركات الحكومية (عند خصخصتها) وتوجه قرارات مجالس إدارتها، كما تقوم بتدوير "لوبياتها" البيروقراطية في مختلف أجهزة الدولة التنفيذية. أليست هذه بيئة يزدهر فيها التعطّل المنتج لليأس، والمصاحب لأوهام الرفاهية!

في الوقت الذي وصل عدد العمالة الأجنبية العاملة في البلاد إلى ما يقارب مليونين نسمة (من أصل أربعة ملايين وستمائة ألف)، تذكر المؤشرات ذاتها بأن نسبة العاملين من السكان من سن 15سنة وأكثر لا تتجاوز 59 في المئة. وهذا يعني أن نسبة 41 في المئة من النفوس هي طاقة مفقودة، مبدّدة، وقابلة للتمدد والإضافة من فئات عمرية أخرى.

ولو استثنينا منهم كبار السن والأطفال، سيظلّ الرقم مُخيفاً، يجعل أي مسؤول ذو ضمير حي لا يهنئ بالجلوس على كرسي المسؤولية إلى أن يؤمّن مسارات تفاعلية ومتجددة لهذه الطاقات البشرية المتدفقة، وإلا فإن التعطّل لن يقف إلى أن يُقهر الإنسان وتتقهقر البلاد.

لا تقتصر فكرة العمل على إشغال وقت الفراغ، وانتظار عوائد مالية. ولا يُختزل دور العُمّال في توفير موارد آمنة لعوائلهم أو المساهمة في تطوير عناصر الإنتاج في مجتمعاتهم. المسألة تتجاوز ذلك كله. فالعمل بوصفه توازناً وجودياً للإنسان، كان ولا يزال - وعلى امتداد التاريخ - القيمة الوازنة في معادلة الخراب والاستقرار للدول.

حيث الإنسان يراهن دوماً على ذاك الشعور الخفي والسحري بالرضا عن ذاته، والذي لا يشعله في الروح كما يفعل العمل. أما إذا تعطّل عن بلوغ ذاك الشعور، أو تأخر عن أوانه، وتسلّل اليأس بديلاً عنه.. فهل باستطاعة أي قوة أن تعيد إليه إنسانيته بعد انحسار الأمل عنها؟

* سعيد سلطان الهاشمي باحث من عُمان

المصدر | السفير العربي