الخميس 30 يوليو 2015 05:07 ص

كتبت سابقا عن الحاجة إلى الوفاق الوطني أكثر من أي وقت مضى، ونحن بحاجة إلى إشاعة ثقافة الحقوق والتعبير عن الذات في جو من الوئام والمحبة، بعيداً عن التخوين، لتعزيز قيمة الوحدة الوطنية والحفاظ على ترابط النسيج الاجتماعي، وتأكيداً على ذلك حتى لا يتعرض الوطن للأعمال الإرهابية، والتخريبية، من ذوي النفوس الضعيفة.

فكلما ابتعد الأفراد عن الانتماءات العشائرية أو المناطقية كلما كان الأقتراب للوطن أكثر وكان الالتصاق أكبر بالكيان الكبير، وسيكون إحساس المواطن بالحُب والولاء لوطنه أكبر من انتمائه لعشيرته، وكلما ابتعد سكان الوطن عن النظرة الدونية للأفراد، وعن التنابز بالألقاب وإقصاء الآخر كلما كانت وحدة الشعب أقوى وأعمق، وأشد تمكيناً، فهناك حالات مؤكدة قد لا تصل إلى الظاهرة لكنها موجودة ولا يمكن إنكارها، يظهر فيها ضعف الانتماء الوطني.

وقد تكون بأسباب بعض المعاملات الخاطئة، أو بسبب الشعور بأن أبناء الوطن ليسوا سواسية في الحقوق، وإحساس بعضهم بعدم تكافؤ الفرص في كثير من المجالات الحيوية، أو بسبب تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي، أو بالواسطة، وغيرها من الحالات المربكة التي تعمل تفاوتاً في مستويات التنمية بين مختلف المناطق والمدن، كل ذلك يعود إلى ضعف الثقافة الحقوقية للفرد والمجتمع.

فالمعلوم أن جميع الدول تمر بمراحل عديدة في مسيرتها، وتهتم بتطوير أنظمتها وقوانينها، وتسعى منذ التأسيس لتأصيل هويتها وثقافة شعبها لتصل إلى ذروة مجدها، ولا يمكن لأي دولة أن تبني مقوماتها وتحافظ على مقدراتها المكتسبة إلا بوجود مواطنين صالحين يقيمون أودها ويدعمون مسيرتها، فهم الركن الأساس الذي تعتمد عليه الدولة، وهم الذين يتفاعلون مع المنتج الاجتماعي ويحافظون عليه، ولهم على الدولة حق الرعاية الكاملة تعليمياً وصحياً، وأمنياً، وحفاظاً على حقوقهم الإنسانية الكاملة، ليعيشوا في حرية وأمن ورخاء واستقرار.

من هنا تنشأ العلاقة بين المواطن والدولة وتسن الأنظمة والقوانين التي تمنحه الحقوق وتفرض عليه الواجبات، وبالتالي ينشأ حب المواطن للكيان الذي ينتمي إليه ويكبر إخلاصه للوطن الذي يعيش فيه ويتفانى في خدمته في كل حالاته، مراعياً جميع التقلبات في الرخاء والشدة، وفي السلم والحرب، ويفتخر بالانتساب إليه، ويهتم بقضاياه، ويتابع مشكلاته، ويتتبع أخباره، ويلتزم بالقيم والمثل والآداب التي ترفع من سمعته، مراعياً المصالح العليا العامة والخاصة، ولا يتخلى عنه وقت الأزمات.

وعندما يشعر المواطن بضعف إحساسه بوطنيته، أو شعوره بالظلم فيه فإن ذلك يُعد مصدر تحدّ له في إثبات انتمائه، والسعي الحثيث وراء حقوقه التي تكفلها له الأنظمة الأساسية للحكم والقوانين التي تم سنها لحماية هذه الحقوق والحفاظ عليها، وإعطاء كل ذي حق حقه تحقيقاً لمبدأ العدل والمساواة، وأن المواطنين سواسية في نظر النظام المستمد من التشريع الإسلامي الذي هو أهم مصادر الأنظمة الكونية. 

ونحن نعلم أن ثقافة الحقوق بمفهومها العام مصطلح جديد على مجتمعات العالم العربي كله، كما هو الحال أيضاً في غياب الوعي المجتمعي عن ثقافة حقوق الإنسان، التي يعدها بعضهم ثقافة وافدة من الغرب (أوروبا وأمريكا)، وهذا الكلام غير صحيح، فحقوق الإنسان غريزة إنسانية متأصلة فيه منذ نشأته، وهي أساس مهم في المنهج الرباني الإسلامي، لكن تحقيقها يحتاج إلى فهم وإدراك ووعي وطني، فإن غياب الوعي الشعبي إحدى أهم المشكلات التي تعيق أي عمل حقوقي، ولن يتم الوعي إلا بالممارسة الفعلية لتطبيق الأنظمة والقوانين التي تنظم حياة البشر.

لهذا نحن بحاجة ماسة إلى نشر الوعي الحقوقي عبر المؤسسات المدنية والهيئات الرسمية والوسائل التعليمية بدءاً من المدارس والمعاهد والكليات التي لها أهمية عالية في تعليم الأجيال وتنمية عقولهم في بداية حياتهم التعليمية، وتكريس المفاهيم الضرورية لمعرفة حقوقهم كأفراد، وحقوق المجتمع عليهم، وكذلك الاستفادة من الوسائل الإعلامية المتخصصة التي لها دراية بالمعاهدات والمواثيق الدولية.

ومن المهم أن يتم التنسيق مع الجهات المعنية بالثقافة لتقوم بعمل برامج مكثفة ترتكز على توعية الشعب وتثقيفه وفق معايير معينة تستند إلى أسس متينة مصاحبة للنشاطات والندوات والدورات الحقوقية، وأهمية اختيار السبل المناسبة لكل شرائح المجتمع وفئاته المختلفة، فلكل شريحة معينة وسيلة خاصة بها.

كما يجب الاستفادة من كل الوسائل المتاحة لنشر الثقافة الحقوقية التي من شأنها أن تغير الصورة النمطية عند المجتمع الذي لا يعرف أن حقوق الإنسان لها جذور أصيلة في الثقافة الدينية الإسلامية، وعندما يتحقق ذلك نثق أننا استطعنا أن نصنع مجتمعاً واعياً يعرف حقوقه ويؤدي واجباته على الوجه الأكمل.