الأربعاء 5 فبراير 2020 01:12 م

أحداث شهر وتبعات أعوام.. العالم بعد يناير

منذ بدايته وضع شهر يناير العالم على شفا حرب عالمية ثالثة ولم ينقض إلا بإطلاق صفقة القرن المشؤومة.

الصراع حول ليبيا مستمر وحفتر يقدم رجلاً ويؤخر أخرى فيما يبدو خلافا بين داعميه حول التعامل مع دعوات روسيا للتفاوض.

الاقتصاد العالمي الذي قال المراقبون أنه يواجه تباطؤاً محتملاً تلقى وسيتلقى ضربات بسبب وباء كورونا.

يبدو أن الأمور هدأت بين إيران وأمريكا بعد مقتل سليماني لكنه ربما يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة.

قلق اقتصادي ينتاب اليابان وكوريا الشمالية أساسًا، لكن التأثير سيطول العالم بأكمله وقد يسرِّع كورونا وصول التباطؤ العالمي.

*     *     *

واحد وثلاثون يوماً مرت وكأنها دهر مع أحداث متسارعة، منذ يومه الأول وضع شهر يناير المنصرم العالم على شفا حرب عالمية ثالثة ولم ينقض إلا بإطلاق صافرة البداية لصفقة القرن المشؤومة، وبين هذا وذاك معارك في ليبيا واليمن وسوريا ووباء يجتاح الصين ويخرج منها إلى العالم ومحاكمة نادرة لرئيس أمريكي في منصبه تسفر عن الوجه الآخر للديمقراطية الأمريكية، يكفي بقية العام أحداثاً تبعات ما جرى في شهره الأول.

يبدو أن الأمور هدأت بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد مقتل سليماني، لكن ربما يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة. تستمر الميليشيات المحسوبة على إيران باستهداف المصالح الأمريكية في العراق من خلال هجمات صغيرة.

ولا يستبعد أن يكون الإيرانيون ينتظرون نهاية الانتخابات التمهيدية وبداية الحملات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية حتى ينفذ الحرس الثوري الانتقام الذي وعدوا به، خاصة إذا لم تسفر جهود الوساطة بين الطرفين عن حصول طهران على تخفيف للعقوبات الاقتصادية عليها.

في ليبيا وسوريا تشابكت الملفات فصار التفاوض بين تركيا وروسيا حول ليبيا وزحف حفتر على العاصمة مربوطًا بإدلب ومحاولات النظام استرجاعها، الأتراك من ناحيتهم حريصون كل الحرص على تثبيت حكومة الوفاق التي تناصرهم في مواجهتهم مع جيرانهم في حوض المتوسط.

روسيا من جهة أخرى تخلط الأوراق بين دعمها للنظام السوري ودعمها لحفتر لتحقيق أكبر المكاسب الممكنة في علاقتها مع تركيا وإيران ومنافستها لواشنطن، حفتر يقدم رجلاً ويتراجع بالأخرى فيما يبدو أنه خلاف بين داعميه حول كيفية التعامل مع الدعوات الروسية للتفاوض، الصراع خارج ليبيا مستمر حولها.

فيروس جديد أثار الذعر في العالم، فبسرعة غير مسبوقة انتشر المرض في الصين وثم حولها ليصل إلى الأمريكيتين في غضون أيام، وصار صعباً الفصل بين الشائعات والمعلومات وتحديد حقيقة ما تخفيه الصين أو تعلنه، وليس القلق على الأرواح فحسب، الاقتصاد العالمي الذي هدد المراقبون أنه يواجه تباطؤاً محتملاً تلقى وسيتلقى ضربات بسبب هذا الوباء.

الصين من ناحيتها أعلنت أن الاقتصاد بدأ يتأثر وأن النمو فيها سيتراجع إلى مستوى أدنى من المستشرف، واقتصادياً إذا عطست الصين وهي أكبر مستهلك ومصدر في آن واحد للعديد من السلع والبضائع، يصاب العالم بالزكام، القلق الاقتصادي ينتاب اليابان وكوريا الشمالية أساساً ولكن التأثير سيطول العالم بأكمله وقد يسرِّع كورونا وصول التباطؤ العالمي.

تستمر محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد نجاح الجمهوريين في حجب الشهود والأدلة عن المداولات ما يعني أن نهاية المحاكمة باتت أقرب، ولكن هذا النجاح مشوب بدعاية سيئة لمرشحي الحزب في الانتخابات القادمة بشكل عام وليس ترامب فحسب، الناخب المستقل والذي يكون عادةً محافظاً في الولايات المتحدة ولكنه ليس بالضرورة أن يكون داعماً لترامب قد يعاقب مرشحي الكونجرس الجمهوريين على حزبيتهم المتطرفة في التعامل مع محاكمة ترامب، ما زال الوقت باكراً للحديث عن احتماليات نجاح ترامب في حشد الأصوات لصالحه ولكنه اليوم يواجه تحديات لم يواجهها من قبل.

في مؤتمر صحفي غريب أعلن الرئيس الأمريكي إلى جوار رئيس الوزراء الإسرائيلي ومنافسه رئيس حزب أزرق وأبيض وفي غياب الفلسطينيين عن بنود صفقة القرن والتي يطمح الرئيس من خلالها إلى لي ذراع الفلسطينيين للقبول بدعم اقتصادي يأتيهم من جيرانهم في مقابل التنازل عن كل شيء للكيان الصهيوني، الخطة بلا شك غير واقعية ولكن مع الأسف حالة الضعف العربي والانقسام الفلسطيني والفوضى الأمريكية تتيح لتل أبيب فرصاً عديدة لزيادة التوغل في دهاليز الحق الفلسطيني الضائع، من تحت الطاولة وفوقها تتعاون العديد من الدول مع واشنطن في فرض هذا الواقع ويجد عباس نفسه، وهو من قدم تنازلات عديدة، في حالة مشابهة لحالة سلفه في سنواته الأخيرة، قدم كل ما عنده فقيل له أن ذلك لا يكفي وهو اليوم ينتفض انتفاضةً هشة قد لا تحميه من مصير عرفات.

انقضى يناير ولم تنقض أحداثه التي رسمت خارطة طريق مؤلمة لهذا العام، وجل ما نتمناه هو أن تكون الأشهر التابعة له غير شبيهة به وإلا تكسر العالم على صخرة الأحداث المتوالية، ونبقى في إطار البحث عن شهر أو حتى أسبوع خال من المصائب وربما نطمح فوق ذلك ونقول أسبوعاً يرسم البسمة على وجوه المظلومين، فهل نجد ذلك في الأحد عشر شهراً المتبقية من عامنا؟

* د. ماجد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر

المصدر | الشرق القطرية