الخميس 6 فبراير 2020 07:32 ص

حالما أنهى الرئيس الأمريكي تقديم ما يسمى بصفقة القرن، بأسلوبه النرجسي المتعالي، وصافح بحرارة اليد المجرمة الملطخة بدماء ألوف الضحايا الفلسطينيين، حتى بدأت ردود الفعل من مختلف الجهات الرسمية العربية.

ما لفت الانتباه والتساؤل هو قول بعض تلك الجهات الرسمية، بأن لديها بعض الملاحظات والاعتراضات على مكونات تلك الصفقة، لكنها مع ذلك تثمن الجهد الذي بذله الرئيس الأمريكي.

في العادة لا يقول الإنسان بأنه يثمن جهد أحدهم، إلا إذا ذكر تفاصيل ذلك الجهد من أفعال حسنة وأهداف نبيلة، ولذلك كان لابد من طرح السؤال التالي: خلال الشهور التي سبقت الإعلان عن صفقة الظلم للضحية والانحياز للجلاد، قام الرئيس الأمريكي بإعطاء كل مدينة القدس لتكون عاصمة أبدية للكيان الصهيوني!

وأتبع ذلك بنقل سفارة بلاده إلى القدس، بدون مراعاة لحقوق الفلسطينيين في القدس، أو أي اهتمام لاعتراضات العرب المسلمين والمسيحيين والعالم الإسلامي برمته، بل اعتراضات أجزاء كبيرة من هذا العالم.

ثم أتبع ذلك، وبعجرفة قل نظيرها، باعتبار الجولان، الجزء المحتل من الأرض العربية السورية، جزءا متمما للكيان الصهيوني. ثم أوقف مساهمة أمريكا في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، التي تقوم بخدمات اجتماعية وإنسانية لستة ملايين فلسطيني، طردهم الاحتلال الصهيوني من أرضهم وشردهم في معسكرات وبؤس المنافي وخارج وطنهم.

لم يشعر هذا الرئيس حتى بوخزة ذنب وهو يحرم أطفال المخيمات من التعليم، ويحرم كبار السن من أبسط الرعاية الصحية.

وما إن انتهى من تلك الخطوات التي تتناقض مع كل شرعية دولية، وحقوق إنسانية وعشرات القرارات التي اتخذت في مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة، حتى انتقل إلى الاعتراف بشرعية بناء المستوطنات الصهيونية، من قبل عتاة الصهيونية على أرض فلسطينية إضافية جديدة منهوبة في الضفة الغربية من فلسطين العربية.

وبعد ذلك مباشرة دعا إلى ضم غور الأردن، أي حوالي ربع الضفة الغربية، إلى الكيان الصهيوني. وتوج كل ذلك بإشادته الدائمة بقرار يهودية الكيان الصهيوني المحتل، بدون أن يذكر ولو بكلمة واحدة مصير مليونين من الفلسطينيين العرب، القاطنين في الجزء الفلسطيني المغتصب عام 1948، ولا مصير خمسة ملايين القاطنين في الضفة الغربية وغزة، مع أنه يعرف جيدا أن هذا القرار سيعني في المستقبل اعتبار كل فلسطيني في الكيان اليهودي ليس مواطنا، وإنما مقيم من خلال إعطائه بطاقة إقامة مؤقتة.

نعود الآن للسؤال المطروح: هل كل تلك الأفعال المافيوية التي قام بها هذا الرئيس الصهيوني العقيدة والانتماء المطلق هي الجهود التي أشار إليها البعض بالتثمين والتقدير؟ أم أن تلك الجهات تعتبر تلك الخطوات الظالمة الإجرامية بحق اثني عشر مليون فلسطيني هي خطوات صادقة مدفوعة بنية إنسانية؟

لكن ما أن صدمنا بقضية التثمين تلك، التي تطرح ألف سؤال وسؤال عن علاقات عربية – أمريكية مشبوهة، حتى طرح البعض مسألة ما يسمى بالمفاوضات الفلسطينية ـ الصهيونية.

منطق هذا البعض أن هناك العديد من مكونات صفقة القرن، التي لديهم اعتراض عليها، أو أنها غامضة، وتحتاج إلى معرفة تفاصيل أكثر بشأنها، مع أن الولد الصهر كوشنر قد تفاخر بصبيانية تليق بتجار العقارات المبتدئين، بأن الصفقة تتكون من ثمانين صفحة، وبالتالي فهي مفصلة إلى أبعد الحدود. منطق هؤلاء أنه لابد من العودة للمفاوضات.

مرة أخرى نطرح على هؤلاء السؤال التالي: منذ ارتكاب حماقة أوسلو، بحسن نية على الأغلب، تفاوض الفلسطينيون شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، ولمدة تزيد عن الربع قرن، وقدموا تنازلات مجحفة بحق قضيتهم الوطنية!

لكن الجانب الصهيوني، مدعوما بصورة مطلقة عمياء من قبل النظام الأمريكي المتصهين بامتياز، ظل يطالب بالمزيد من التنازلات حتى جعل اتفاقيات أوسلو جثة عفنة والتنازلات الفلسطينية المستمرة، بضغوط هائلة من الأعداء وبعض الأهل المخدوعين، فضيحة أخلاقية لم ير العالم مثل قبحها قط.

وهكذا نجح البعض، من حيث لا يدرون على الأغلب، في الإضافة إلى خنجر الصفقة المسموم، المعبر عن أبشع الظلم والتوحش الهمجي الحيواني، إضافة لإدخالنا في أجواء التلاعب بالتعابير السياسية الغامضة المحيرة، التي ذكرنا اثنين منها على سبيل المثال.

ما يوجع القلب أن جهات أمريكية، رسمية ومدنية كثيرة، تتعامل مع هذه الصفقة بشكل أكثر فهما لسوءاتها، وبتعاطف أكثر إنسانية مع الشعب العربي الفلسطيني، ضحية الكيان الصهيوني الإجرامي وضحية الانعطاف الصهيوني الأصولي من قبل نظامهم السياسي. ألا تستطيع أنظمة أمتنا، أن تتعامل ولو مرة واحدة بعقلانية ورزانة أخلاقية تجاه قضايانا الكبرى، بدون إرتكاب لهذا الخطأ أو ذاك؟

- د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني

المصدر | الشروق المصرية