الأربعاء 12 فبراير 2020 08:07 ص

بعد نظرية فوكوياما الشهيرة حول نهاية التاريخ التي ظهرت في بداية التسعينيات مع نهاية الحرب الباردة، ها هو الاقتصادي الأميركي «برانكو ميلانوفيتش» (من أصل صربي) يقدّم قراءة جديدة للنظام الدولي الراهن في كتاب جديد يحمل عنوان «الرأسمالية متفردة» يذهب فيه إلى الكشف عن حركية المنظومة العالمية الحالية التي يبدو أن الرأسمالية الليبرالية المعولمة قد هيمنت كلياً عليها.

لا ينكر ميلانوفيتش أن النظام الرأسمالي أصبح وحيداً في الحلبة العالمية بعد انهيار البدائل الاشتراكية في نسخها المختلفة، لكنه يؤكد على الانفصام الواسع بين شكلين من الليبرالية متصادمين: الرأسمالية الليبرالية الاستحقاقية المعتَمَدة في الغرب، والرأسمالية السياسية السائدة في العالم الآسيوي بمركزه الصيني.

في النمط الأول، تسود قيم القانون والتعددية السياسية والتسامح، ضمن نظام ديمقراطي تمثيلي، وفي النمط الثاني يتجذر المفهوم المركزي للسلطة وتحكم البيروقراطية الفنية التابعة لمركز الحكم.

ما أخطأ فيه فوكوياما، حسب ميلانوفيتش، هو توهمه وحدة مصير الرأسمالية المعولمة من منطلق الترابط العضوي بين منطق السوق الحرة والليبرالية التعددية، فما حدث بالفعل هو تمزق المنظومة الرأسمالية إلى نموذجين شديدي التمايز، كما هو الشأن دوماً عندما تهيمن عقيدة كونية كبرى.

وقد بدا من الجلي أن المسلك الرأسمالي السياسي هو أكثر قابلية للاستقطاب والتأثير عالمياً، لاسيما في الفضاء الآسيوي، في حين لم يشهد النموذج الليبرالي توسعاً نوعياً خارج العالم الغربي.

بيد أن المنظومة الرأسمالية تعرف منذ 2008 أزمات عاتية متتالية لها أوجه عدة، منها جانب مالي، وجانب سياسي تعبّر عنه الحركات الاحتجاجية الراهنة والتنظيمات الشعبوية الصاعدة.

في هذا السياق، يرجع ميلانوفيتش أسباب هذه الأزمات إلى عاملين أساسيين هما: التفاوت الواسع في مكاسب الحركية الاقتصادية المعولمة وتمدد النطاق التجاري للأنشطة الاجتماعية إلى مجالات لم تكن من قبل داخلة فيه.

وبخصوص العامل الأول، إذا كانت مكاسب الحركية الاقتصادية العالمية في القرن التاسع عشر استفادت منها القارة الأوروبية والغرب إجمالاً، فإن المستفيد من المكاسب الراهنة هو القطب الآسيوي الصاعد (الصين والهند وإندونيسيا..).

وفي حين لم تجن ثمار الثورة الصناعية التقنية الجديدة في الدول الرأسمالية الغربية الكبرى سوى الأقلية الغنية، ومن هنا امتعاض الطبقة الوسطى الواسعة التي تغذي الحركات الاحتجاجية الحالية.

وبخصوص العامل الثاني، تتعين الإشارة إلى أن الطابع التجاري الاقتصادي للأنشطة الاجتماعية تمدد في العقود الأخيرة إلى مجالين حيويين هما الترفيه والسياسة، بما يفسر أزمة الديمقراطيات التمثيلية التي غدت عاجزة عن التعبير عن الإرادة الجماعية المشتركة.

تستوقفنا أطروحة ميلانوفيتش بخصوص طبيعة الاختيار المطروح في نظام الحكامة بعد انقشاع وهمين سيطرا تباعاً في الساحة العربية: وهم الدولة الرعوية الشاملة المستقلة من خلال النظام التشاركي المتمحور حول الذات ومنفصم الارتباط مع المركز الرأسمالي (حسب اصطلاحات المفكر المصري الراحل سمير أمين)، ووهم الدولة الليبرالية الحرة المندمجة في الحركة الاقتصادية المعولمة من خلال إجراءات الخصخصة الشاملة والانفتاح غير المقيد (أطروحة الإصلاح الهيكلي التي بشّر بها البنك الدولي في الثمانينيات ونظرية العولمة السعيدة التي شاعت في مطلع الألفية الراهنة).

ما نختلف فيه مع ميلانوفيتش هو حصر مقتضيات عدالة التوزيع في سياق المنظومة الرأسمالية المتفردة بين اعتبارات الحرية السياسية والتسامح من جهة ومن جهة أخرى مقتضيات بناء الدولة وتدعيم نسيجها البيروقراطي المركزي، والتي هي من الأساسيات والأولويات في البلدان التي لم تتجذر فيها تركيبة الدولة القومية المستقرة.

وغني عن البيان أن الرهان الأساس المطروح اليوم في مجتمعاتنا التي تشهد منعرج التحول والتغيير هو تحدي بناء نظم مؤسسية صلبة ومستقرة تكفل في آن واحد حقوق المواطنة المتساوية والمشاركة الفعالة في القرار العمومي، والفاعلية الإنتاجية التبادلية في المنظومة الاقتصادية المعولمة.

ولا تناقض بين الاعتبارين، بل هما متكاملان متلازمان، في ما وراء الجدل المألوف حول علاقة الرأسمالية الحرة والليبرالية السياسية.

كان الفيلسوف الأميركي المعروف «جون رولز» قد انتبه في مطلع السبعينيات إلى خلو الفكر الليبرالي من نظرية معيارية للعدالة في ما وراء الإجماع الأدنى حول مبادئ الحرية الفردية والتمثيل السياسي.

إن أهمية أطروحة رولز التي هيمنت عقوداً أربعة على الفكر السياسي، هي تحويل محور النقاش في الحالة الليبرالية من السجل الأيديولوجي والنزوع الوضعي الاقتصادي إلى السجل الفلسفي الأوسع المتعلق بتوزيع العدالة في المجتمع السياسي المنظم من خلال مؤسسات شرعية توافقية.

ومن هنا فسحت هذه النظرية المجال واسعاً أمام خيارات مجتمعية متمايزة لا تنغلق في أنساق إيديولوجية مغلقة أو نماذج ووصفات جاهزة للتصدير والتعميم، بل هي مجال الإبداع الفكري والمؤسسي الذي هو الرهان العاجل للخروج من المأزق العربي الحالي.

- د. السيد ولد أباه أستاذ جامعي موريتاني.

المصدر | الاتحاد الظبيانية