أوروبا بعد خروج بريطانيا

رأى البريطانيون أن الاتحاد أصبح جمعية خيرية تُستنزف فيها أموال الدول الكبرى الغنية لصالح الدول الصغيرة والفقيرة.

تؤكد بريطانيا بخروجها أنها مَلكية ذات خصوصية يصعب معها الاندماج في الجسد الأوروبي لأسباب تاريخية عميقة.

تتطلع بريطانيا إلى المحافظة على ما تحققه لها الخصوصية من مكاسب على الصعيد العالمي خاصة بأميركا وفي مستعمراتها القديمة.

لا ترى بريطانيا أنها ربحت من تجارة حرة وتبادل تفاضلي بين دول الاتحاد بل ترى انخراطها بمشروع أطلسي مع أميركا أفضل اقتصاديا وعسكريا.

*     *     *

يشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد عقود من الوحدة أهم حدث شهدته القارة العجوز خلال السنوات الأخيرة. وهو حدث لا تقتصر أهميته على مصير عضو مركزي في الاتحاد بقدر ما تتعداه إلى المآلات التي ستعرفها أوروبا خلال السنوات القادمة على أكثر من صعيد داخلي وخارجي.

لكن تجدر الإشارة إلى خصوصية بريطانيا كعضو أوروبي منذ مرحلة التأسيس وإلى التنبيه إلى ثبات النزعة القومية الأوروبية التي لم تنته بنهاية الحرب العالمية الثانية.

حافظت بريطانيا على عملتها التاريخية ولم تتخلّ عنها لصالح «الأورو» كما فعلت فرنسا أو ألمانيا اللذين تخلتا عن «الفرنك» و«المارك» التاريخيين وهو في نظرنا أحد أهم المؤشرات على هذا التردد البريطاني في الالتحاق كلية بالقاطرة الأوروبية.

تعزز الجغرافيا الموقف البريطاني حيث تتميز البلاد بخاصية الجزيرة التي تسعى دائما إلى المحافظة على خصوصيتها من الخارج وهو ما أكدته مناسبات تاريخية عديدة مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية حيث فشل هتلر القادم من البرّ في غزو الجزيرة بعد أن اكتسح كامل التراب الأوروبي تقريبا.

تميز الموقف البريطاني من القضايا الدولية بانخراطه الكامل وغير المشروط في المشروع الأميركي فمنذ فترة توني بلير رئاسة الحكومة وحتى قبله كانت مواقف بريطانيا من القضايا الدولية لا تخرج عن الموقف الأميركي.

من جهة أخرى كانت أوروبا الواقعة بين التهديد الروسي شرقا والوصاية الأميركية غربا تبحث دوما عن مخرج من هذا المأزق عبر محاولة صياغة موقف أوروبي مستقل عن روسيا وخاصة عن الولايات المتحدة.

تَعتبر بريطانيا الاتحاد الأوروبي ناديا فرنسيا ألمانيا وليس ناديا أوروبيا حيث تسيطر الدولتان على الاتحاد اقتصاديا وسياسيا. فمن الناحية الصناعية تهيمن ألمانيا هيمنة شبه مطلقة على الاقتصاد الأوروبي في حين تلعب فرنسا دورا سياسيا أساسيا من خلال صياغة التوجهات الأوروبية الكبرى.

كما يرى البريطانيون أن الاتحاد قد تحول في السنوات الأخيرة إلى جمعية خيرية تُستنزف فيها أموال الدول الكبرى الغنية لصالح الدول الصغيرة والفقيرة مثل اليونان وغيرها من دول أوروبا الشرقية التي استنزفت خزائن الاتحاد.

لا ترى بريطانيا أنها حققت أرباحا هامة من قوانين التجارة الحرة والتبادل التفاضلي بين دول الاتحاد بل ترى أن انخراطها في مشروع أطلسي مع الولايات المتحدة الأميركية هو الخيار الاقتصادي والعسكري الأمثل بالنسبة لها.

تؤكد بريطانيا بمغادرتها الاتحاد أنها مَلكية ذات خصوصية يصعب معها الاندماج في الجسد الأوروبي لأسباب تاريخية عميقة من ناحية وبسبب تطلع بريطانيا إلى المحافظة على ما تحققه لها هذه الخصوصية من مكاسب على الصعيد العالمي خاصة في الولايات المتحدة وفي مستعمراتها القديمة.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون – باريس.

المصدر | الوطن القطرية