السبت 15 فبراير 2020 07:35 ص

"قصف.. إحباط.. ويأس".. هي مشاهد من يوميات ملايين المدنيين المحاصرين في محافظة إدلب السورية.

"منى البكور"، واحدة من هؤلاء، الذي أصبح الخوف رفيقهم الدائم.

تعيش حياتها في خوف دائم من القنابل والصواريخ، والحرب المستعرة.. هي مشاهد من الحياة اليومية لـ"منى" نقلتها عن طريق رسالة عبر تطبيق التواصل الاجتماعي "واتسآب"، والتي كتبت فيها تقول: "استهدافك بالقصف، يبقى مسألة حظ فقط".

الإثنين الماضي، حرصت "منى" وزوجها على البقاء في منزلهما في وسط إدلب؛ حيث يسوء وضع سكانها يوما بعد يوم.

الصراع على البقاء في آخر معقل للمعارضة في سوريا، والذي يتواصل منذ 9 أشهر، يزداد حدة يوما بعد يوم.

إسقاط القنابل من قبل جيش النظام السوري وحلفائه الروس يحدث بشكل يومي، ومن الجنوب تتقدم القوات التركية، التي تقف إلى جانب المعارضة.

ويعيش حوالي 3 ملايين شخص في محافظة إدلب، ويقال إن حوالي 700 ألف فروا من المنطقة منذ نهاية ديسمبر/كانون الأول، معظمهم في اتجاه تركيا، البلد المجاور الذي أغلق حدوده.

لم تحاول "منى" مغادرة إدلب؛ فهي وزوجها يريدان البقاء بالمدينة رغم ما قد يحدث.

وتقول إنها قد اضطرت إلى تغيير مكان إقامتها 4 مرات في الأشهر العشر الماضية، أحيانا بسبب الضربات الجوية، وأحيانا أخرى لأنها ببساطة لم تعد قادرة على دفع الإيجار.

إضافة إلى ذلك، لم تعد لها القدرة على الفرار مرة أخرى، وتقول: "علاوة على ذلك، لم يعد هناك مكان آمن بالفعل".

  • رسائل عن الحرب

"منى" شابة جذابة، لكنها تبدو نحيفة وهزيلة الجسم، وتقول إنها فقدت 15 كجم من وزنها بسبب التوتر والخوف الدائم من الحرب.

ولدت "منى" في مدينة الطبقة بالقرب من الرقة، عندما سيطر تنظيم "الدولة" على مسقط رأسها في أغسطس/آب 2014، بعد أسابيع من القتال مع جيش النظام السوري.

فرت "منى" مع والديها وخمسة من إخوتها، وتعرض المنزل بالقرب من محافظة إدلب، حيث عاشت العائلة في البداية، للقصف، والدمار الكامل فيما بعد خلال الغارات الجوية.

منذ أيام كتبت "منى" أكثر من 100 رسالة عبر "واتسآب" عن قصتها وحياتها.

وترفق تدويناتها بالصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو وتسجيلات عبر البث الحي.

هذه الأمور كلها تعطي صورة عن المكان الذي تتواجد فيه، غير أنها لا تكشف بوضوح عن الصورة الحقيقية لحياتها اليومية هناك، والتي لا تستحق أن يُطلق عليها "صفة الحياة".

  • حب الحياة وسط الدمار

"منى" تحب الموسيقى الغربية، وهي تحب المطربة الإنجليزية "أديل"، ومغنية البوب الأمريكية "بيلي إيليش".

كما تعشق أيضا مشاهدة الأفلام، "بغض النظر عما إذا كانت أمريكية أو ألمانية أو كورية أو إسبانية، أجد أن كل شيء مثير للاهتمام".

درست الشابة السورية الأدب العربي وتحلم بالعمل في الصحافة.

تحب الكتابة وتدير مدونة عن حقوق المرأة، كما أنها مراسلة مستقلة لمحطة الإذاعة السورية "وطن إف إم"، التي تبث الآن من تركيا.

"الآن أنا أنقل فقط الأخبار عن الموت والحزن.. ولم أكن أرغب أبدا في ذلك".

إضافة إلى ذلك، تتعاون "منى" مع منظمة "Start Point" غير الحكومية، ومقرها السويد، التي تعمل لصالح ضحايا جرائم حقوق الإنسان في سوريا.

وبالمال الذي تجنيه من عملها، تساعد "منى" أسرتها؛ ما يمنحها الكثير من القوة.

"لا أحد غيري له وظيفة في أسرتي"، كما تقول.

كما أن هناك سبب آخر هو أن العمل شيء مهم بالنسبة لها؛ لأنه يمنح معنى لحياتها المليئة بالفراغ.

وعن ذلك تقول: "لا أستطيع العيش بدون وظيفتي".

في رحلة خطيرة، تستقل "منى"، كل يوم الحافلة المتجهة إلى كفر تخاريم، على بعد حوالي 30 كم، وتصل المكتب؛ حيث تعمل مع ثلاثة من زملائها.

والإثنين الماضي، كتبت الشابة عبر "واتسآب": "مساء اليوم تعرض الشارع بالقرب من عملها للقصف الجوي".

تقول "منى" إنها تشعر دائما بالخوف عند مغادرة المنزل، مضيفة: "يمكن أن يحدث شيء ما في أي وقت وبشكل مفاجئ".

وخلال الأسابيع القليلة الماضية فقط، حدثت مئات الغارات الجوية، بعضها كان قريب جدا من أماكن تواجد الشابة السورية.

"لكن ما الخيار الذي أمتلكه أمامي؟ علي أن أتعايش مع هذا الخوف".

وتضيف "منى" أن الحياة اليومية تستمر حتى مع الحرب، وهي مستمرة في ظله منذ 9 سنوات.

وعن ذلك قالت الشابة السورية: "بعض المتاجر مغلقة.. وكثير من الناس خارج إدلب.. لكن الأشياء الأساسية مثل الماء والغذاء والكهرباء لا تزال متاحة وعائلتي لديها ما يكفي من الطعام والشراب".

  • قنابل الصباح

"كان ذلك منذ عشر دقائق وعلى بعد كيلومتر واحد من هنا.. أشعر أنني وحيدة تماما.. لقد استهدف القصف سوقا مليئا بالناس.. إنها كارثة".

هذه الرسالة أرسلتها "منى" مع مقطع فيديو قصير، قام أحد الأصدقاء بتسجيله وإرساله لها.

يمكن رؤية عمود كثيف من الدخان فوق أسطح إدلب.

وأفاد الموقع الإنجليزي لقناة "العربية" الإخبارية، ومصادر أخرى في وقت لاحق، أن 12 مدنيا على الأقل قُتلوا في الغارة الجوية.

"منى" أرسلت أيضا تسجيلا صوتيا يتضمن أصوات صفارات الإنذار، التي ظلت مستمرة، كما قالت.

"عندما يتم قصف إدلب، تصبح المدينة مهجورة.. لا أحد يخرج إلى الشوارع حتى ينتهي القصف".

ثم تعود الحياة إلى طبيعتها مرة أخرى، على الأقل قدر الإمكان.

وبعد اليوم الموالي، ذهبت "منى" إلى المكان الذي حدث فيه القصف، وصورت المشهد الذي رأته هناك: "أنقاض تكدست على جانب الطريق، وألواح النوافذ المكسورة واقعة على الأرض. الأدلة الوحيدة الواضحة على القصف المدمر".

الوضع في مدينة إدلب السورية يصبح أكثر تدهورا، بعدما أعلن جيش النظام عن مكاسبه على الأرض في الأيام الأخيرة.

ووفقا لتقارير إعلامية، أرسلت تركيا، من ناحية أخرى المئات من القوات العسكرية بالدبابات والمدفعية إلى المنطقة في الأسبوعين الماضيين.

لكن "منى" شخصيا لم تلاحظ أي شيء من هذا، كما كتبت في رسالتها، هم "ليسوا في المدينة بعد".

من ناحية أخرى، تتواجد مجموعات من المعارضة؛ فـ"البعض منهم يتواجدون داخل المدينة، وبعضهم يحرسون الحواجز التي أقيمت عند مدخل المدينة.. والبعض الآخر يقاتلون ضد قوات الأسد".

الوقوع بيد قوات "الأسد" هو أكثر ما تخشى منه "منى"؛ حيث تقول: "خوفي الأكبر هو الوقوع بيد قوات الأسد والتعرض للاغتصاب أو الذبح".

وتضيف  أن خوفها ليس من الموت؛ فـ"عندما أموت، لن أشعر بأي شيء بعد ذلك".

المصدر | دوتشيه فيله