• لا مصلحة لدول الخليج بمعاهدة عدم اعتداء ويجب أن تفيق من أكذوبة أن التهديد الإيراني يكبح جماحه تحالف مع إسرائيل.
  • حتى لو خسر نتنياهو الانتخابات هل من إمكانية لتشكيل حكومة تقبل بما يحقق الحد الأدنى للفلسطينيين؟!
  • الانزياح الشديد بمركز السياسة الإسرائيلية نحو اليمين المتطرف تحتم أن يكون خليفة نتنياهو يميني متطرف لا يقل خطورة على العرب.

*     *     *

لافتة تلك التغريدة التي كتبها وزير خارجية قطر السابق الشيخ حمد بن جاسم بتاريخ الرابع عشر من شهر ديسمبر الماضي وفيها يتوقع أن يتبع الإعلان عن صفقة القرن توقيع معاهدة عدم اعتداء بين إسرائيل ودول الخليج دون أن يسمي هذه الدول بعينها. ويضيف الشيخ حمد بأنه شخصيا لا يمانع توقيع مثل هذه المعاهدة لكن بعد أن يتحقق السلام العادل، وعليه يرى بأن الأنظمة العربية التي سارعت بتبنيها صفقة القرن إنما تتبع سياسة قصيرة النظر هدفها في نهاية المطاف مساعدة كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تحقيق الفوز في الانتخابات.

من المبكر الحكم على إمكانية التوصل إلى اتفاقية عدم اعتداء، فليس هناك أي مبرر عسكري لها لأن دول الخليج بشكل عام ليست في حالة حرب مع إسرائيل وليس لها حدود مع إسرائيل.

لكن هناك بعد سياسي خطر لمثل هذه الاتفاقية، فإسرائيل تسعى للتوصل إلى حالة من التطبيع الكامل مع دول الخليج يمكنها في نهاية المطاف من التأثير على هذه الدول لعزل الفلسطينيين. ناهيك عن حقيقة أن التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية يعني في واقع الحال تدشين مقاربة جديدة لا تشترط تحقيق السلام العادل كشرط للتطبيع.

بالمقابل، تقرأ تل أبيب المنطقة العربية بشكل دقيق، فهي تعرف جيدا أن النظام العربي هو نظام هش وممزق وتنافسي ومخترق. والحق أنه لا يمكن الحديث عن نظام عربي بالأساس، فهو بالفعل تنافس والاختراق وصل إلى حد أن دول المنطقة هي من يدعو الدول الأجنبية إلى التدخل.

وانكشف هذا الواقع أكثر خلال الربيع العربي وهو أمر سعت إسرائيل لاستثماره استراتيجيا إذ حاولت إسرائيل وبنجاح نسبي تحقيق انتصارات ناعمة تجسدت بامتثال الأنظمة العربية للكرم الأميركي على شكل ضم الجولان والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل.

والمفارقة أن الولايات المتحدة لم تدفع ثمنا لانحيازها السافر لإسرائيل. وزاد من الطين بلة أن الانقسامات العربية وصلت إلى نقطة غير مسبوقة، والحديث عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للعرب اختفى بعد أن تبدلت مصادر التهديد بالنسبة لدول خليجية بعينها.

والأدهى أن تنظيمات الإخوان المسلمين تحولت بقدرة قادر إلى مصدر تهديد أكثر من إسرائيل لبعض الأنظمة! وهذا يقودنا إلى ملاحظة أن أنماط العداء والصداقة في هذا الاقليم الملتهب قد تغيرت إلى درجة أصبحت فيه إسرائيل دولة طبيعية بالنسبة للبعض. وهنا يحضرني ما قاله عبدالفتاح البرهان في سياق تبريره لقائه من نتنياهو عندما وصف إسرائيل بأنها دولة مثل سويسرا!

طبعا، ترحب إسرائيل بالتوصل إلى معاهدات عدم اعتداء، لكن الظروف ليست مواتية سياسيا في الدول العربية، ويرى الكاتب تسفي بارئيل من صحيفة "هآرتس" بأن موقف الدول العربية المعلن من صفقة القرن سيجعل من الصعب على هذه الدول التفكير جديا في توقيع مثل هذه المعاهدة قبل تحقيق اختراق حقيقي على المسار الفلسطيني.

وهذا صحيح إلى حد ما لكن لا يمكن اغفال أن دينامية القوة داخل المجتمع الإسرائيلي لا تفضي إلى ائتلاف سلام. من هنا يمكن القول إن شروط توقيع معاهدات عدم اعتداء غير متوفرة الآن على الرغم من التقارب الخليجي الإسرائيلي الواضح.

اليسار الإسرائيلي يحذر من مثل هذه الاتفاقية خشية من أن يستفيد منها نتنياهو في الانتخابات، لكن حتى لو خسر نتنياهو الانتخابات، هل هناك إمكانية لتشكيل حكومة تقبل بما يحقق الحد الأدنى للفلسطينيين؟!

طبعا لا، فالانزياح الشديد في مركز السياسة الإسرائيلية إلى اليمين واليمين المتطرف تحتم أن يكون خليفة نتنياهو شخص يميني متطرف لا يقل خطورة على العرب وقضيتهم من نتنياهو.

وهذا يعني شيئا واحدا: لا مصلحة لدول الخليج إلى معاهدة عدم اعتداء وعليها أن تستفيق من أكذوبة التهديد الإيراني الذي يكبح جماحه التحالف مع إسرائيل.

  • د. حسن البراري - أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية
المصدر | الغد الأردنية