الاثنين 17 فبراير 2020 07:57 ص

فقدت تركيا حتى الآن 10 جنود في حوادث متعددة خلال الأسبوع الماضي، في ضربات مباشرة لقوات النظام السوري. في هذه الأثناء، أسقطت القوات الموالية لتركيا طائرة هليكوبتر تابعة للنظام في إدلب، في إشارة إلى أن تركيا مستعدة لتصعيد دعمها للجماعات المعارضة في مواجهتها مع دمشق.

فرضت المصادمات الخطيرة بين أنقرة ودمشق ضغطًا كبيرًا على روسيا إما للتخفيف من حدة التوتر أو اختيار جانب.

وبينما ترفض تركيا والنظام السوري التراجع، تقع المسؤولية على روسيا للتوسط. لكن حتى الآن، يبدو أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يقف في زاوية "بشار الأسد"، وبالرغم من العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين موسكو وأنقرة، فإن "بوتين" لن يتخلى عن مصالح دمشق.

وفي حين تبدو الموازنة صعبة، تشعر روسيا أنه يمكنها الحصول على المزيد من تركيا، بالنظر إلى عزلة أنقرة شبه الكاملة في البحر المتوسط ومن الاتحاد الأوروبي بسبب موقفها من ليبيا وأيضا بسبب الجغرافيا السياسية للطاقة.

التنافس الإمبراطوري

يرى "بوتين" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أنهما نتاج ماضي إمبراطوري. وتمتلئ العلاقة الماضية بين العثمانيين والقيصريين بالمواجهة ولديهما معركة أيديولوجية مباشرة للسيطرة على البلقان والقوقاز والشرق الأوسط.

خلال الحرب العالمية الأولى، اشتبكت الجيوش الروسية والعثمانية على جبهات مختلفة، بما في ذلك معركة مباشرة في الأناضول وسوريا الحالية. الغالبية العظمى من السكان الأرمنيين طردوا إلى ما يعرف الآن بسوريا. يلعب العامل الأرثوذكسي والأرمني دورًا كبيرًا، إلى جانب الأبعاد الأمنية، في دفع روسيا لدعم دمشق.

من الواضح جدًا أن روسيا ترى التصعيد الأخير من منظور النظام السوري.

في وقت سابق من هذا العام، في عيد الميلاد الأرثوذكسي، قام "بوتين" بزيارة مؤثرة لكاتدرائية "ماريان" القديمة في دمشق والتي يعود تاريخها إلى بداية المسيحية. لطالما نظرت روسيا إلى نفسها باعتبارها روما الثالثة، والمدافع عن المسيحية الشرقية، منذ سيطرة الأتراك للقسطنطينية.

وبالمثل، فإن جهاز الأمن التركي، قبل "أردوغان" بفترة طويلة، دعم الجماعات القوقازية المعارضة للهيمنة الروسية وهو إرث آخر من الصدام بين الإمبراطوريتين العثمانية والقيصرية. في الصراع الحالي، استخدم "بوتين" بمهارة المقاتلين الشيشان لدعم القضية الروسية والسورية ضد المصالح التركية.

الدول العربية

جاءت الدول العربية الكبرى -مثل مصر والإمارات والمملكة العربية السعودية- إلى جانب دمشق، وفي مواجهة سياسة تركيا في سوريا.

في الآونة الأخيرة، أدت أعمال تركيا في ليبيا إلى عزلها أكثر بين الدول العربية الكبرى. كما أن التوترات التركية مع الاتحاد الأوروبي بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق، بالنظر إلى أحدث منافسة في مجال الطاقة في البحر المتوسط وحتى حليف تركيا، الزعيم القبرصي التركي، أعرب عن قلقه بشأن سياسات تركيا في المنطقة.

لقد أدى كل هذا إلى اعتماد تركيا على روسيا، وكان دعم "بوتين" الشامل لتركيا بعد الانقلاب الفاشل في عام 2016 يعني أنه في أضعف أوقاته، ووضع "أردوغان" ثقله مع روسيا. إن صفقات الدفاع اللاحقة وخطوط أنابيب الطاقة والاعتماد الكبير على الزراعة والسياحة على موسكو قد جعلت تركيا في حاجة إلى روسيا أكثر من العكس.

بعد الهجمات السورية الأخيرة على المواقع التركية، أكدت روسيا أن تركيا لم تفعل ما يكفي للقضاء على الإرهابيين في إدلب. هذه هي الرواية التي ترددها دمشق نفسها، لذا فمن الواضح جدًا أن روسيا ترى التصعيد الأخير من منظور النظام السوري.

ميزة عسكرية

تجعل التطورات على الأرض روسيا تعطي ميزة عسكرية لـ"بشار الأسد"، بالرغم من اتفاقات أستانا أو سوتشي الخاصة بمناطق خفض التصعيد.

في أحدث اشتباكات في إدلب، تدخلت الولايات المتحدة بالفعل لدعم تركيا، وهي خطوة تهدف إلى دفع إسفين بين موسكو وأنقرة أكثر من دعم سياسة "أردوغان".

هناك غضب كبير في تركيا بسبب دعم روسيا الواضح لدمشق. ومع ذلك، سيستمر المسؤولون الروس والأتراك في العمل من أجل التوصل إلى حل في سوريا، وتعني العلاقات الدفاعية والاقتصادية المتنامية أن تركيا ستواصل الاعتماد على روسيا وسط عزلة في الشؤون المتوسطية والعربية.

في هذه الأثناء، ففي حال اضطرار "بوتين" للاختيار المباشر بين دعم النفوذ التركي في سوريا ومعارضته، سيختار الرئيس الروسي دعم "الأسد".

المصدر | كمال علام - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد