الأربعاء 19 فبراير 2020 02:00 م

إن التضخم الزاحف، وانخفاض ثقة المستهلك، والبطالة المستعصية على الحل، والتفضيل المستمر للعملة الأجنبية الصعبة على حساب الليرة التركية المحلية، كلها عوامل تؤكد ضعف الاقتصاد التركي.

وعلى الرغم من أنه يظهر علامات على النمو، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي تصاعدا في النمو، من زيادة بنسبة 0.2% في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 3% في عام 2020، فقد أثر تقلب الاقتصاد على المواطنين الأتراك.

ويدفع هذا الشعور أنقرة للالتزام بالحفاظ على مسارها الحازم في أماكن مثل سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط، لتعزيز الحماسة القومية المتزايدة لسياسة خارجية عدوانية لتشتيت الانتباه عن المشاكل الاقتصادية في الداخل.

وفي هذه العملية، يبدو أنها مستعدة لقبول خطر تعريض تركيا لصدمات اقتصادية خارجية مثل العقوبات، وحتى إذا رأت الحكومة التركية أنها تستطيع الصمود أمام الضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية الهادفة لتغيير سياستها الخارجية، فمع مرور الوقت، ستؤدي الضغوط الداخلية المتصاعدة إلى إلحاق الضرر في نهاية المطاف بحزب العدالة والتنمية الحاكم، ما يلقي بظلال من الشك على قدرته على الأداء الجيد في انتخابات عام 2023.

كارثة تركيا الاقتصادية

وزاد الارتفاع الأخير في المؤشرات الاقتصادية القاتمة في الأسابيع الأخيرة المخاوف بين الأتراك، الذين لم يتعافوا بعد من أزمة العملة في عام 2018، ويشعرون بالقلق من أنهم لن يستفيدوا من الارتفاع المتوقع في النمو الاقتصادي في عام 2020.

وانخفض معدل التضخم واستقر في عام 2019، بعد زيادة قياسية في عام 2018، لكنه بدأ في الزحف إلى أعلى من جديد على مدى الأشهر القليلة الماضية، بعد هدف البنك المركزي البالغ 8% في نهاية عام 2020، مدفوعا بزيادة أسعار المواد الغذائية، التي تجاوزت مستوى توقعات البنك المركزي.

وفي الواقع، كانت الزيادات الشهرية في أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية، والسلع والخدمات المتنوعة، والنفقات المتعلقة بالصحة، وهي جميع المكونات الرئيسية لتكلفة المعيشة، أقوى العوامل التي أدت إلى ارتفاع التضخم الشهري.

ووسط هذه الاتجاهات، ظلت البطالة مرتفعة منذ أشهر، لدرجة أن تقريرا عن انخفاض في البطالة بنسبة 0.1%، أي من 13.4% في أكتوبر/تشرين الأول 2019 إلى 13.3% في نوفمبر/تشرين الثاني، كان سببا للاحتفاء من قبل الصحافة الموالية للحكومة في فبراير/شباط.

لكن هذا لم يقترب من التحسن الذي وعدت به حكومة الرئيس "رجب طيب أردوغان"، ويبقى أن نرى ما إذا كان النمو الاقتصادي المتوقع في عام 2020 سيخلق بالفعل فرص عمل للمواطن التركي العادي.

وقد يتسبب تقلب العملة، وهو مؤشر آخر لهشاشة الاقتصاد التركي، في التأثير على شعور المستثمرين كذلك، مما يضاعف من معاناته.

وفي أوائل شهر فبراير/شباط، تجاوز سعر صرف الليرة 6 ليرات مقابل الدولار الأمريكي، وهي عتبة يُنظر إليها على نطاق واسع في تركيا كمؤشر على الضعف، للمرة الأولى منذ مايو/أيار 2019.

وفي الوقت نفسه، ظلت حصة عملاء البنوك التركية بالعملات الأجنبية مرتفعة مقارنة مع النسبة المئوية للإيداعات بالعملة المحلية، على الرغم من الرسائل الحكومية المنسقة التي تدعو للإنفاق والادخار بالليرة، وتظهر أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي، أنه منذ عام 2018، كانت نسبة الودائع في حسابات العملات الأجنبية تحوم حول 50%.

وعلى الرغم من الرسائل الإيجابية من وزارة المالية، تواصل تصرفات المستهلكين والمستثمرين الأتراك إظهار مستوى عدم الثقة في الاقتصاد.

ولا يمكن لأي قدر من التطمينات أن يتغلب على الأسس الاقتصادية السيئة، مع استمرار الرسائل الوردية في مواجهة الواقع في إضعاف الثقة في الحكومة بشكل أكبر.

ووفقا للبيانات المجمّعة من "بلومبرج"، باع المستثمرون الأجانب سندات تركية بقيمة 3.3 مليار دولار خلال العام الماضي، ما أدى إلى انخفاض حيازاتهم بالدين بالعملات المحلية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

ومما يزيد من احتمالية حدوث المزيد من التآكل في الثقة، الطبيعة غير التقليدية للسياسات المالية للحكومة، وتأخذ التوقعات الإيجابية لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد التركي في عام 2020 في الاعتبار أن النمو الذي تغذيه الديون سينشئ التزامات طويلة الأجل.

علاوة على ذلك، من المرجح أن يستمر إصرار "أردوغان" على الضغط على محافظ البنك المركزي لتلبية مطالب الرئيس بأن تستمر أسعار الفائدة في الانخفاض، وهو ما يبرره "أردوغان" بالحاجة إلى اتباع الشريعة الإسلامية، ناهيك عن أنه مفيد للنمو.

هذا، على الرغم من النظرية النقدية التقليدية التي تشير إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة هو الرد المناسب على ارتفاع التضخم، ومن خلال الاستمرار في التيسير النقدي، على الرغم من الأجواء التضخمية، يخاطر البنك المركزي بإثارة رد فعل سلبي أكثر حدة بين المستثمرين والمستهلكين مما كان عليه الحال بالفعل.

وفي الوقت نفسه، أصدرت الحكومة ضوابط متزايدة على العملة، بل مددت بعض القيود التي وضعتها خلال أزمة 2018، وتم وضع قيود جديدة على الرسوم المصرفية في فبراير/شباط لتشجيع البنوك على دعم الاقتصاد، وسيتم اختبار فعالية سياسات التدخل في تهدئة المستهلكين وقلق المستثمرين على المدى الطويل.

قياس التأثير السياسي

لقد بنت حكومة تركيا، ولا سيما "حزب العدالة والتنمية"، قوة سياسية كافية من خلال جهود توحيد الأصوات التي بذلتها في الأعوام الأخيرة، بحيث استطاعت قياس قدرتها على الصمود أمام القلق المتزايد بشأن الاقتصاد الهش، كما أن لدى تركيا مساحة دبلوماسية كافية للمناورة لإدارة أي تهديد بفرض عقوبات أجنبية.

وعلى الرغم من وجود عدد من العقوبات المحتملة بسبب سياساتها الخارجية العدوانية، فإن لتركيا اليد العليا في كثير من هذه الحالات، وحرص البيت الأبيض، الذي حرص أيضا على إبقاء تركيا في "الناتو" والحفاظ على التعاون معها في عدد من المجالات، على صد عقوبات "الكونجرس" التي تهدف لمعاقبة أنقرة على علاقتها الوثيقة مع روسيا، وأعمالها العسكرية في سوريا.

وعلى الرغم من أن غزوات تركيا الجديدة في ليبيا، ونشاطها الاستكشافي للطاقة في شرق البحر المتوسط، ​​قد أوجدت محفزات جديدة لعقوبات الاتحاد الأوروبي والانهيارات الدبلوماسية، تقّدر تركيا أن قوتها وقدرتها على منع أو السماح بهجرة اللاجئين السوريين إلى أوروبا، ووضعها كعضو مهم في "الناتو"، سيحمياها من أي تداعيات خطيرة محتملة من قبل الاتحاد الأوروبي.

لكن لا يمكن للحكومة التركية السيطرة على الخسائر السياسية المحلية، التي يحددها الاقتصاد الضعيف على المدى الطويل، وفي الانتخابات المحلية في عام 2019، في أول اختبار انتخابي حقيقي لحزب "العدالة والتنمية" منذ الأزمة الاقتصادية الرهيبة في منتصف عام 2018، خسر الحزب 2 من المنافسات الرئيسية، بما في ذلك رئيس بلدية إسطنبول.

ولن يأتي الاختبار الانتخابي التالي حتى عام 2023، عندما تجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في وقت واحد، وإذا استمر الاقتصاد في التراجع، فقد يفقد حزب "العدالة والتنمية" بالتأكيد المزيد من الدعم.

وسيؤدي هذا بدوره إلى الضغط على الائتلاف الحاكم بين حزب "العدالة والتنمية" وشريكه بالأقلية، حزب "الحركة القومية"، ما قد يؤدي إلى تمزيق الائتلاف الذي يعطي حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية.

ومن المهم مراقبة كيف يقوم حزب "العدالة والتنمية" بضبط سياساته في العام المقبل؛ لأن ذلك قد يعطي مؤشرات على قوة التحالف، وإذا بذل حزب "العدالة والتنمية" جهودا أقل لتهدئة الأعضاء الأكثر تطرفا للقومية داخل "حزب الحركة القومية"، على سبيل المثال، أو حتى إذا لم يقم بتحركات لتوسيع نطاق جاذبيته للأطراف الأخرى، فسوف يكون هناك قلق متزايد بشأن تراجع شعبيته بشأن القضايا الاقتصادية.

وفي الوقت الذي تعمل فيه تركيا على تعويض عدم الاستقرار الاقتصادي، فإن السعي وراء غزوات السياسة الخارجية العدوانية، مثل التحركات في ليبيا وسوريا، يوفر وسيلة لإذكاء القومية بتكلفة سياسية واقتصادية منخفضة نسبيا.

وهذا صحيح خاصة في سوريا، حيث يمكن للحكومة التركية أن تستند بسهولة إلى حجج الأمن القومي المفهومة على نطاق واسع لمعركة تركيا ضد المسلحين الأكراد.

ومع ذلك، فإن التدخل في ليبيا، الذي يعتمد جزئيا على قوات المرتزقة السورية، بعيد ماديا عن سوريا، وهو بعيد عن العامة، وهي العوامل التي تجعل من الصعب تحويله إلى رصيد من النوايا الحسنة لدى الشعب.

وتعد المشروعات الكبرى، مثل قناة إسطنبول، ومطار إسطنبول الجديد، التي تواصل الحكومة ذكرها أمام شكاوى المعارضة، وسيلة أخرى لصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية، لكن في حين أن جهود البنية التحتية مبهرة، فمن غير المرجح أن تحل القضايا الاقتصادية الأساسية التي تهم الجمهور، وطالما استمرت الهشاشة الاقتصادية في تركيا، حتى مع نمو الاقتصاد نفسه، ستستمر شعبية الحكومة في الانخفاض.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد