الثلاثاء 18 فبراير 2020 04:20 م

لماذا عرضت حكومة دبي دفع 29% فوق سعر تداول سهم شركة "موانئ دبي العالمية" لشراء الحصة المطروحة للشركة في بورصة ناسداك دبي واستعادة ملكية الشركة بالكامل؟ ولماذا قررت ذلك في هذا التوقيت تحديدا؟ وما هي الآثار المتوقعة لذلك؟.

تصدرت هذه الأسئلة اهتمامات مراقبي الشأن الإماراتي خلال الساعات الماضية بعد إعلان حكومة دبي شراء حصة شركة "موانئ دبي العالمية" المطروحة في البورصة، والمقدرة بـ19.55% من إجمالي أسهم الشركة المسجلة في البورصة؛ بما يجعل الشركة مملوكة بنسبة 100% لشركة الموانئ والمناطق الحرة العالمية المملوكة بالكامل لـ"مجموعة موانئ دبي العالمية" (حكومية).

تراوحت الإجابات حول هذه الأسئلة ما بين الدوافع الاقتصادية والسياسية، خاصة مع كون الشركة لا تمثل أحد فقط أهم أذرع الاستثمار الإماراتية، لكنها تلعب أيضا دور رأس الحربة في طموحاتها الجيوسياسية المتنامية خلال السنوات الماضية.

وتسمح الصفقة لـ"مجموعة موانئ دبي العالمية" بالتدخل ودفع مبلغ 5.15 مليارات دولار لسداد بعض التزامات شركة موانئ دبي لصالح عدد من البنوك؛ ما يؤشر إلى دوافع اقتصادية مبررة لعملية الاستحواذ. لكن في المقابل تظهر دوافع أخرى سياسية للصفقة تتعلق بمواجهة دبي العالمية لـ"منافسة إقليمية شرسة" على إدارة الموانئ حول العالم، خاصة من قبل قطر وتركيا، في الوقت الذي تناقصت فيه إيرادات النفط نتيجة انخفاض الأسعار خلال السنوات الماضية، وفقا لما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادرها.

  • دوافع متباينة

تكشف بيانات وكالة "بلومبرج" تفاصيل أكبر حول الدوافع الاقتصادية التي دفعت حكومة دبي لاستعادة الملكية الكامل لشركة الموانئ الشهيرة. ووفقا للوكالة الأمريكية، فإن ديون شركة موانئ دبي البالغة نحو 11 مليار دولار مستحقة السداد قبل عام 2026، تيفاقم أزمة الشركة باعتبارها مصدرا للسيولة النقدية لإمارة دبي، التي تعاني من استمرار تراجع أسعار العقارات وضعف أداء تجارة التجزئة.

وفي هذا الإطار، جاء تقييم المدير المالي لمجموعة موانئ دبي العالمية "يوفراج نارايان" لاستمرار تداول أسهم الشركة في البورصة بأن "أضراره تفوق المزايا المأمولة منه"، وأن "الانسحاب من بورصة ناسداك دبي سيصب في مصلحة الشركة؛ حيث سيكون بإمكانها تنفيذ استراتيجيتها متوسطة وطويلة الأجل"، وفقا لما نقلته صحيفة "الاتحاد" الإماراتية.

ويرتبط هذا التقييم بحقيقة أن أسواق المال العامة عادة ما تكون لديها رؤية قصيرة الأجل؛ ونتيجة لهذه الفجوة "لا تحظى استراتيجية موانئ دبي العالمية بالتقدير الكامل في أسواق الأسهم، وبالتالي لا ينعكس ذلك إيجابا على أداء سعر سهم الشركة".

أما الشق السياسي، فأشار إليه رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة "سلطان أحمد بن سليم" بقوله إن "قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية يشهد تحولا كبيرا على مستوى العالم؛ نتيجة لتوحيد قاعدة العملاء والتكامل الرأسي بين العديد من المتنافسين".

ونتيجة لذلك، يتعين على موانئ دبي العالمية، وفقا لرؤية "سليم"، أن تكون قادرة على مواصلة الاستجابة بكفاءة وفاعلية لهذه المتغيرات المتسارعة، وهو ما ستوفره العودة إلى الملكية الخالصة، التي ستسهم في تحرير الشركة من اشتراطات السوق المالية العامة التي تتطلب توزيع عوائد قصيرة الأجل لتلبية طموحات المساهمين، حسب ما نقلته "رويترز".

غير أن دورية "إنتليجنس أون لاين" الفرنسية تشير إلى دافع سياسي آخر في الكواليس، وهو توجه ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" مؤخرا لوضع كل نفوذه لمساعدة شركة "موانئ أبوظبي" من أجل الحصول على امتيازات جديدة مع نمو طموح أبوظبي لتصبح لاعبا بارزا في سوق الامتيازات الدولية للموانئ الاستراتيجية الذي تهيمن عليه دبي.

ويعني هذا الصراع، وفقا لـ"إنتليجنس"، أن المنافسة التي تواجهها "موانئ دبي العالمية" لا تقتصر على المحيط الإقليمي فقط، بل هي محلية أيضا؛ ما يعني أن إمارة دبي لن تكون قادرة على الاعتماد على دعم أبوظبي الدبلوماسي والمالي، في الوقت الذي تسعى فيه الإمارة للفوز بامتيازاتها الخاصة للموانئ حول العالم.

وبإضافة الآثار السلبية التي راكمتها سياسات أبوظبي الإقليمية على اقتصاد دبي، وتسببت في إلغاء تعاقدات مع "موانئ دبي"، تبدو هناك مؤشرات تناقض محتمل في المصالح بين الإماراتيين، وهو ما ظهر في تأكيدات "سليم" أن "الشركة تجد صعوبة في الاقتراض من البنوك لتمويل استثمارات جديدة منذُ أن سيطرت حكومة جيبوتي على محطة دوراليه للحاويات المملوكة جزئيا للشركة عام 2018".

ولم يكن قرار حكومة جيبوتي تأميم "دوراليه" من "موانئ دبي العالمية" في فبراير/شباط 2018، حالة شاذة؛ إذ أصدر البرلمان الصومالي قرارا في الاتجاه ذاته، وفسخ عقودا للشراكة مع الشركة في ميناء "بربرة".، كما ألغت الجزائر احتكار الشركة الإماراتية لإدارة موانئها في سبتمبر/أيلول الماضي، وسط مخاوف من كون الشركة تعد رأس الحربة للطموحات الإمبريالية الإماراتية في هذه البلدان.

وعليه فإن أحادية الملكية تضمن لـ"موانئ دبي" التركيز على مواصلة عمليات الاستحواذ على إدارة الموانئ حول العالم دون "منغصات"، وهو ما أشار إليه "سليم" بقوله إن "الوجود العالمي واسع النطاق لموانئ دبي العالمية يضعنا في موقف قوي لقيادة التحول في هذا القطاع".

وخلال السنوات الماضية، نفذت الشركة، في إطار استراتيجيتها لأن تصبح المزود الرائد للخدمات اللوجستية المتكاملة على مستوى العالم، مجموعة من الاستحواذات، شملت "يونيفيدر جروب"، و"بي آند أو فيريز"، و"كونتيننتال ويرهاوسينج"، و"شركة توباز للطاقة والملاحة"، وغيرها. كما أعلنت في 14 فبراير/شباط الجاري الاستحواذ على حصة 51% في محطة حاويات "TIS" بميناء يوجني الأوكراني.

  • مؤيدون ومعارضون

وإزاء ذلك، فإن العديد من المحللين الاقتصاديين والماليين يؤيدون قرار حكومة دبي إعادة الاستحواذ على الشركة. وفي هذا السياق، اعتبر رئيس قطاع الشرق الأوسط وأفريقيا في مؤسسة "نيوبيرجر بيرمان" للاستثمار "جاهنجير أكا" أن الصفقة "تعكس نضوج عملية صناعة القرار لدى حكومة دبي"، وفقا لما أوردته "بلومبرج".

لكن محللين آخرين يخشون أن الصفقة سيكون لها آثار جانبية سلبية، وهو ما رأته مؤسسة "موديز إنفستورز"، التي قدرت أن "الصفقة ستضعف الموقف الائتماني لمجموعة موانئ دبي العالمية ككل"؛ لذا قررت مراجعة ملف موانئ دبي العالمية مع احتمال خفض تصنيفها الائتماني.

ورغم أن حكومة دبي تعول على تحمل خسائر آنية مقابل تحقيق أهدافها الاستراتيجية متوسطة وطويلة الأجل، إلا أن الخبير ورجل الأعمال المطلع "مير محمد علي خان" وصف اقتصاد دبي بأنه "يذوب مثل قطعة الثلج في يوم صيف حار"، في مقال نشره على موقع "مودرن دبلوماسي".

ويستند "خان" في وصفه إلى أن اعتماد اقتصاد دبي بالأساس على سوق العقارات والتمويل عبر الاستدانة؛ لذا فإنه يتوقع بداية انهيار لاقتصاد الإمارة طالما ظل مبدأ "أنا مدين لك وسأدفع لاحقا" هو الحاكم لها، حسب تعبيره.

ويشير مقال "مودرن دبلوماسي"، في هذا الصدد، إلى عدد ضخم من الشيكات المرتجعة في دبي، وفرار العديد من المدينين من الإمارة بلا عودة، وفق الأرقام التي يظهرها تحليل أعداد خطوط الهواتف الملغاة وأعداد الأطفال المغادرين للمدارس في الإمارة.

لذا يؤكد الباحث في قطاع الطاقة في جامعة "رايس" بولاية تكساس الأمريكية ومؤلف كتاب "مدينة الذهب: دبي وحلم الرأسمالية"، "جيم كرين"، أن "التحديات التي يواجهها اقتصاد الإمارة تزداد صعوبة"، وليس من المرجح أن تكون موانئ دبي قادرة على تغيير ذلك بمفردها.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات