الأحد 23 فبراير 2020 09:49 ص

ربما تعاني إيران كثيرا، على الساحة العراقية، لتعويض الفراغ الذي خلفه اللواء "قاسم سليماني"، الذي قتل في غارة أمريكية، على مطار بغداد الدولي، الشهر الماضي، ما يزيد من صعوبة مهام خليفته المفترض، "محمد كوثراني"، القيادي في "حزب الله" اللبناني والمكلف بإدارة الميليشيات الشيعية في العراق.

وتشهد العاصمة العراقية بغداد، تواجدا مكثفا لـ"كوثراني" المسؤول الجديد المكلف من قبل طهران بإدارة الملف العراقي ولملمة الفوضى الميدانية التي خلفها مقتل "سليماني".

ويعمل إلى جانب "كوثراني" أسماء إيرانية على صلة بالملف العراقي، من أبرزهم المسؤول في السفارة الإيرانية في بغداد "علي أكبر محمدي"، وهناك أيضا "علي رضا زاده"، الذي يوصف بأنه "ضابط مهمات خارجية" في "فيلق القدس"، والسفير السابق لإيران في العراق "حسن قمي".

الاعتماد على "حزب الله"

ووفق مصادر استخباراتية أمريكية وعربية، فإن ملف العراق جرى إسناده من قبل القيادة الإيرانية إلى "حزب الله" اللبناني، الذي استضاف اجتماعا موحدا لقادة الفصائل العراقية المختلفة بعد مقتل "سليماني"، بحضور القيادي الشيعي "مقتدى الصدر".

وترأس "كوثراني" اجتماع بيروت، الذي جرى تخصيصه لبحث خطط إخماد واحتواء الاحتجاجات الشعبية، وتشكيل الحكومة الجديدة، وحل الخلافات الحالية بين القوى السياسية، والفصائل المسلحة التابعة لها.

وربما تكون مهام "كوثراني" مؤقتة، إلى أن يتم اختيار خليفة إيراني دائم، وإعادة هيكلة المستويات القيادية بـ"فيلق القدس"، لكن حجم النجاح الذي سيحققه في إدارة الملف العراقي، قد يكفل له الاستمرار لفترة أطول على رأس هذا الملف الحساس.

ويضطلع "كوثراني" المولود في النجف، ويحمل الجنسيتين اللبنانية والعراقية، بعدة مهام، أبرزها توحيد البيت السياسي الشيعي، وحل الخلافات بين القوى السياسية الشيعية في العراق.

ويدير "كوثراني" حاليا مفاوضات الأحزاب السياسية الشيعية والسنية، وحتى الكردية، لتسوية الأزمة الحالية في البلاد، وترتيب الأجواء إلى حين موعد الانتخابات المبكرة.

وربما لا يحظى "كوثراني" بما كان يتمتع به "سليماني" من نفوذ وبريق ودهاء، لكنه يؤدي دورا فاعلا ومؤثرا، وقد نجح في السابق في سحب قيادات عربية سنية إلى تحالفات شيعية.

ويثير دور "كوثراني"، امتعاض زعامات عراقية شيعية، مثل رئيس الوزراء السابق "حيدر العبادي"، وزعيم "تيار الحكمة"، "عمار الحكيم"، فضلاً عن قوى سياسية وفصائلية مسلحة، كانت تحبذ اختيار أحد القيادات العراقية الحالية لشغل الفراغ الذي خلفه "سليماني".

خلفية عسكرية

ويتمتع "كوثراني" الذي يعيش في العراق منذ عقود، بخلفية عسكرية، وله تشابك مباشر مع ملفات الصراع في دول المنطقة، خاصة في العراق وسوريا، وأيضا له صلات بدعم فصائل مسلحة مختلفة في اليمن، وعناصر مسلحة في دول من بينها مصر والأردن وقبرص و(إسرائيل)، وفق وزارة الخزانة الأمريكية.

ولعب "كوثراني" دورا لافتا في تشكيل ميليشيا "كتائب حزب الله العراق" (شيعية) إلى جانب زعيمها "أبومهدي المهندس"، الذي قتل في يناير/كانون الثاني الماضي في نفس الغارة التي قتل فيها "سليماني"،  كما أشرف على تدريب "عصائب أهل الحق" الشيعية التي يترأسها "قيس الخزعلي".

وتتهم واشنطن، "كوثراني" المدرج ضمن قوائم الإرهاب الدولية  منذ عام 2013، بالمسؤولية عن العديد من الهجمات ضد قوات التحالف في العراق، بما في ذلك التخطيط لهجوم يناير/كانون الثاني 2007، الذي أسفر عن مقتل 5 جنود أمريكيين.

وعلى خطى الولايات المتحدة، فرضت السعودية في عام 2015 عقوبات على "كوثراني"، وآخرين من "حزب الله"، تضمنت تجميد أية أصول لهم.

وليس معروفا إلى الآن طبيعة تحركات الرجل الذي يتقن اللهجة العراقية، ويتنقل بين عدة عواصم، ونادرا ما يظهر إعلاميا، وبالتأكيد ستزداد سياج السرية حول تحركاته، خلال الفترة القادمة بحكم مهمته الجديد.

لكن المؤكد، وفق شهادات شيعية، أن "سليماني كان يثق فيه واعتاد الاعتماد عليه والاتصال به لمساعدته في الأزمات وتسهيل عمله في بغداد، ما يمنحه القدرة على ملء ذلك الفراغ.

مهام صعبة

وتعول طهران على "كوثراني" للمساعدة في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة وزير الاتصالات الأسبق "محمد توفيق علاوي" خلفا للمستقيل "عادل عبدالمهدي"، والمقرر طرحها لنيل الثقة أمام البرلمان الأسبوع الحالي.

ويعد إنهاء احتجاجات الشارع العراقي، إحدى المهام الصعبة المدرجة على أجندة خليفة "سليماني" الذي وبخ الجماعات المسلحة الشيعية في أحد اجتماعاته الأخيرة معها لتقاعسها عن التوصل لخطة موحدة لاحتواء تلك الاحتجاجات، وفق "رويترز".

وربما يستطيع "حزب الله" عبر نفوذ أمينه العام "حسن نصرالله"، في دعم ذراعه في العراق، المعروف بامتلاكه علاقات واسعة مع كتل مختلفة عربية، سنية، كردية، وتركمانية، ويدعمه فريق من المساعدين الإيرانيين ذوي الخبرة بالشأن العراقي.

وينظر إلى "نصرالله" على أنه يشرف بشكل مباشر على جهود واتصالات "كوثراني"، بتكليف من مرشد إيران "علي خامنئي"، وهو ما يعني أن الملف العراقي بات يحضع لإشراف "نصرالله" أيضا وليس "كوثراني" فحسب.

وتعتمد إيران على نفوذ "نصرالله" بشكل كبير، وهو ما ظهر بشكل جلي في الأزمتين السورية واللبنانية، لا سيما وأن "حزب الله" يملك خبرات واسعة وكوادر متمرسة، يمكن توظيفها من قبل طهران لخدمة أجندتها في العراق.

وقد تعزز الورقة المالية نفوذ الرجل، الذي يعد المسؤول المالي لإيران و"حزب الله" في العراق، وله صلات مع الفصائل المسلحة، وكان يقرر مع "سليماني" حجم الأموال المخصصة للميليشيات.

ورغم ذلك، يرى مراقبون أن "كوثراني" سيواجه تحديات خطيرة، ربما لا يمكن التغلب عليها، حتى يصل إلى مكانة القائدين "سليماني" و"المهندس" اللذين قُتلا في الهجوم الأمريكي، على مطار بغداد الدولي، مطلع العام الجديد.

لا شك إذن أنه على الرغم من أن إيران خسرت الكثير من أوراق نفوذها بسبب مقتل "سليماني"، فإن خليفته المفترض يمتلك من أوراق القوة ما يؤهله لسد الثغرة التي خلفها مقتل القيادي الإيراني البارز، وحتى لو بشكل مؤقت، وهو كل ما تحتاجه لطهران لإعادة ترتيب أوراقها.

المصدر | الخليج الجديد