الأربعاء 19 فبراير 2020 05:26 م

أدى اغتيال "قاسم سليماني"، قائد "فيلق القدس" الإيراني، والهجمات الصاروخية الإيرانية اللاحقة على القواعد الأمريكية في العراق، إلى إثارة الحديث عن اندلاع حرب في الشرق الأوسط. وادّعى أعضاء في الكونجرس، ووزير الدفاع الأمريكي السابق "ليون بانيتا"، وخبراء السياسة مثل "دانييل بيمان" و"تريتا بارسي"، ومنافذ إعلامية مختلفة، أن تلك الأحداث قد أوصلت المنطقة إلى حافة الحرب.

وقدم الإعلام التبريرات لكثير من هذه الآراء، مثل مقالة "روبرت مالي" في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول تحت عنوان: "الحروب غير المرغوب فيها: لماذا يحترق الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى". ويرى "مالي" أن الشرق الأوسط يجسد حاليا مفارقة؛ حيث إنه في الوقت الذي أصبحت فيه مجتمعات وبلدان المنطقة منقسمة، أصبحت في الوقت نفسه أكثر ارتباطا من خلال ظهور الحركات العابرة للحدود، وتدخل الجهات الخارجية الفاعلة في النزاعات المحلية. ووفقا لـ"مالي"، حولت هاتان الظاهرتان الشرق الأوسط إلى صندوق صغير، بحيث يكون الحدث المحلي قادرا على إشعال حرب أوسع بين مختلف البلدان.

على سبيل المثال، أدى انقسام المجتمع العراقي إلى اندماج البعض في المجتمع الشيعي العراقي مع إيران، أي أنهم أصبحوا امتدادا للنفوذ والقوة الإيرانيين. وكان دعم "سليماني" للميليشيات الشيعية العراقية وتعاونه معها مظهرا واضحا لهذه الظاهرة. لذلك، فإن أي مواجهة أمريكية مع الميليشيات الشيعية العراقية قد تشعل حربا بين الولايات المتحدة وإيران. ويشير "مالي" في مقاله إلى أن سوريا واليمن منطقتان قابلتان لإثارة حرب ستجر حتما الولايات المتحدة وبلدان أخرى. وتعكس تغريدات حديثة له وجهة نظر مماثلة فيما يتعلق بالأحداث في العراق.

وتشير الأحداث المحيطة بمقتل "سليماني" إلى أن تأكيدات "مالي" وغيرها غير مبررة. فالمنطقة ليست على شفا حرب. وليست المنطقة الصندوق الذي يدعيه الكثيرون، ولن تكون كذلك في المستقبل القريب. وقد أظهرت الدول التي تتدخل في نزاعات الشرق الأوسط المحلية عدم استعدادها للتصعيد عندما تتعرض مصالحها للخطر أو التهديد.

ويفشل استخدام السيناريوهات المختزلة للتكهن بمستقبل للعراق وسوريا واليمن في إدراك حقيقة المنطقة. ويجب على المرء مراقبة ديناميات لبنان على مدى فترة زمنية طويلة لفهم أن المنطقة ليست عرضة لصراعات أكبر. وفي النهاية، قد تمنحنا هذه النظرة من أعلى للبنان الفرصة لإجراء تحليل أكثر إيجازا وأعمق فهما لتقديم توصيات لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

انظر إلى لبنان، ليس العراق أو سوريا أو اليمن

ويعد لبنان، وليس العراق أو سوريا أو اليمن، نموذجا ودليلا للشرق الأوسط المعاصر. ويجسد لبنان المفارقة التي حددها "مالي"، أي التشرذم مقابل التكامل. ويتمتع لبنان بتاريخ من 70 عاما من الانقسامات الاجتماعية العميقة والصراعات المتداخلة، مع تدخل خارجي وتواجد للحركات العابرة للحدود. وتجعل هذه التجربة لبنان من ساحات الاختبار الغنية لفهم التطورات والنقد وبناء سياسة فعالة لصراعات الشرق الأوسط اليوم. ويمكن أيضا أن تساعد صناع السياسة لاستشراف ما ينتظر المنطقة بعد النظر في استنتاجات هذه الصراعات.

لقد عاش لبنان لعقود في شكل الدولة ضعيفة البنية مع سيطرة الجهات الفاعلة غير الحكومية القوية. وكان لبنان ولا يزال صورة مصغرة من الخلافات العديدة في المنطقة؛ فالصراع العربي الإيراني الإسرائيلي في القلب منه، والدينامية السنية مقابل الشيعية موجودة دائما، ويعد المجتمع السني هناك مجزأ على نحو متزايد. وهو ساحة أيضا للمواجهة الأمريكية الإيرانية.

ويؤدي "التشرذم والتكامل" المتزايدان في الشرق الأوسط إلى خلق المزيد من أشباه لبنان. وقد بدأ كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا في محاكاة لبنان عن كثب في أوقات السلم والحرب. وقد تتبعها السودان والجزائر ومصر وغيرها قريبا. إننا نشهد ارتفاعا في عدد ما يُطلق عليه "دول بلا أمم" في الشرق الأوسط، وهو وضع يعيش فيه لبنان منذ عام 1943.

وتضم "الدولة بدون أمة" مكاتب إدارية مستقلة وهيكل اجتماعي اقتصادي؛ لكنها مع ذلك تعاني من هوية وطنية ضعيفة. وتتحدى الهويات الطائفية أو العرقية، والحركات الأيديولوجية، والانتماءات القبلية، في هذه الدول، الهوية الوطنية. وبذلك فإن عدم وجود مجتمع متماسك يقوض وظيفة الدولة. وينتج عن هذا الواقع سوء إدارة وفساد وعدم مساءلة، ويعد بمثابة دعوة للجهات الفاعلة الأخرى للتدخل.

وتظهر "الدول بدون أمم" سمات ونتائج معينة أوقات الحرب والسلم. ويخلق وجود المعضلات الأمنية في المجتمعات والحركات احتكاكا وعنفا داخل المجتمعات والحركات وفيما بينها. وفي هذه البيئة، تتطور العلاقات والمصالح بين المجتمعات والحركات من جهة والجهات الفاعلة الخارجية من جهة أخرى.

وتنتج هذه الخصائص عدم رغبة في الوصول إلى حل وسط، عبر إسقاط التأثير الخارجي على الشؤون الداخلية، كما تؤدي إلى حساسية عالية للتطورات الإقليمية. وتشمل النتائج العناد، ومزيد من الاستقطاب، وحلول ضيقة أو غير مكتملة، وافتقار إلى إنفاذ السياسات.

وتوجد أوجه تشابه مذهلة بين لبنان والشرق الأوسط اليوم. وعلى غرار الجالية الكاثوليكية المارونية في لبنان، يرى "التبو" في ليبيا أنفسهم تحت تهديد وجودي. ويشبه فشل الحكومة العراقية في احتكار استخدام السلاح في مرحلة ما بعد تنظيم "الدولة الإسلامية" تجربة لبنان المستمرة منذ عقود مع "حزب الله" و"منظمة التحرير الفلسطينية". وسوف تظهر سيناريوهات مماثلة في سوريا واليمن وليبيا.

وتعادل مشاكل العراق مع المرافق العامة إخفاقات لبنان المستمرة مع المرافق العامة. وتبسط إيران نفوذها في العراق وسوريا واليمن كما فعلت في لبنان منذ ما يقرب من 40 عاما. ويتقارب عدد الجهات الفاعلة المحلية والأجنبية  المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا مع تلك المشاركة في الحرب الأهلية اللبنانية خلال أوائل الثمانينيات.

برميل متفجر بدون فتيل

ويقلل "التشرذم والتكامل" المتزايد في المنطقة من احتمال نشوب صراعات أكبر. بل يؤدي العدد المتزايد من الـ"دول بلا أمم" إلى توفير المزيد من الفرص للجهات الفاعلة الخارجية للتدخل. ومع المزيد من الفرص، لا يريد أي شخص وضع كل بيضه في سلة واحدة، أو وضع جميع أوراقه على الطاولة. ويقلل هذا الواقع من احتمالية أن تنزلق المنطقة إلى صراعات أكبر. ولا تعني الهزيمة أو "النكسة" النهاية لبلد مثل السعودية أو إيران.

وسوف يواصل الانقسام في المجتمعات اللبنانية والعراقية والسورية واليمنية والليبية إنتاج الصراع والتوتر، مما يجعلها أرضا خصبة للتدخل وعرضة لتفاقم العنف. وسوف تستمر الدول في توسيع نفوذها في هذه الأماكن، ولكن بحدود. ويوضح التاريخ أن تلك الدول لا تخاطر بكل شيء. وعندما يتعلق الأمر بالتكلفة، فإن الجهات الفاعلة الخارجية، مثل السعودية وقطر وإيران، وغيرها، لا تكون على استعداد للتضحية من أجل وكلائها. لا يكون ذلك في مصلحتها، ولا يتعين عليها ذلك. فلماذا المخاطرة بحدوث أزمة أكبر عندما يكون من الممكن متابعة العلاقات الأخرى أو إحياء العلاقات مع عملاء قدامى أو جدد في المستقبل؟

ومرة أخرى، يعد لبنان شاهدنا على هذا السلوك. فلم يشعل الهجوم السوري عام 1976 على عناصر "منظمة التحرير الفلسطينية" في لبنان، نيابة عن القيادة المارونية اللبنانية، حربا عربية. كما أنه لم ينهي العلاقات بين سوريا وجميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. ولم تتدخل إيران نيابة عن "حزب الله" خلال عملية الرد على (إسرائيل) عام 1993، وعملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية عام 1996، وحرب الـ33 يوما عام 2006. وخلال احتلال سوريا للبنان، لم تردع سوريا عمليات التحليق الإسرائيلية فوق لبنان، ووقفت موقف المتفرج من قصف البنية التحتية اللبنانية.

ورغم عدم رغبة إيران أو سوريا في مساعدة حلفائهما اللبنانيين، لم يمنع هذا هؤلاء الحلفاء من الاستمرار في طلب المساعدة الإيرانية والسورية. علاوة على ذلك، لم تنتج الحرب الجوية السورية الإسرائيلية على لبنان عام 1982 حربا أكبر. ولم يعجّل قصف ثكنات مشاة البحرية الأمريكية عام 1983 بصراع واسع النطاق ضد سوريا أو إيران.

التحرك الإقليمي مقابل التجاهل المحلي

ولا يملك صناع السياسة في الولايات المتحدة حاليا خيارات قابلة للتطبيق في حل النزاعات بين العراقيين واليمنيين والسوريين واللبنانيين والليبيين وغيرهم. ومن العبث إهدار موارد للولايات المتحدة بالمشاركة بعمق في المستوى المحلي لهذه البيئات المعنية. وتزداد تعقيدات السياسات والصراعات اليومية في الشرق الأوسط، خاصة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا، بسبب هذا "التشرذم والتكامل".

وقد أدى انقسام هذه المجتمعات داخليا، إلى جانب تصاعد التدخل الخارجي، إلى مضاعفة عدد الجهات الفاعلة والمصالح المعنية. فهو يجعل التسويات التي يتم التفاوض عليها أو تسهيل الاتفاقات السياسية صعبة بشكل لا يصدق. على سبيل المثال، يستغرق تشكيل الحكومة العراقية وقتا أطول، وقد أسفرت العديد من مؤتمرات القمة المتعلقة بالصراع السوري عن نتائج ملموسة طويلة الأجل.

ويحتاج صناع السياسة في الولايات المتحدة أولا إلى الاشتباك مع هذه الصراعات والتوترات السياسية على المستوى الإقليمي. ويؤدي التدخل الخارجي إلى تفاقم الصراع عبر عرقلة التسوية وتقديم المساعدات العسكرية. وإذا تم النجاح في تقليل عدد الجهات الفاعلة الإقليمية فإن ذلك يقلل من عدد المصالح التي تسبب الجمود السياسي واستمرار الصراع. ومن ثم يتم وضع المسؤولية على الجهات الفاعلة المحلية لمعالجة الانقسامات والخلافات. هذا هو الطريق البناء الوحيد إلى الأمام، وإن كان بطيئا للغاية وليس سلميا تماما. فلم ينه اتفاق الطائف الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاما. بل كانت العزلة الدولية للجيش التابع لـ"ميشال عون"، وهزيمته من قبل الجيش السوري، هي التي أنهت الحرب.

ويمكن للولايات المتحدة تحقيق هذا الهدف من خلال نهج ذي شقين. يجب أولا أن تعالج دبلوماسيا الخلافات مع حلفائها، وكذلك الخلافات بين الحلفاء الأمريكيين. ويجب عليها أيضا تقليل التدخل الإيراني في هذه الأوساط من خلال الحفاظ على سياسة "أقصى ضغط". وإذا تم الإبقاء على سياسة "أقصى ضغط"، فسوف تضطر الحكومة الإيرانية في وقت ما إلى الاختيار بين مواطنيها ووكلائها اليمنيين والسوريين والعراقيين. وتظهر لمحات من هذا في إيران مع الاحتجاجات المحيطة بارتفاع أسعار الغاز.

بالرجوع إلى لبنان تخف الهستيريا التي تتنبأ بقرب حرب كبيرة في الشرق الأوسط. وقد تجاهل "روبرت مالي" وآخرون فائدة النظر إلى لبنان لتشخيص وعلاج العديد من مشاكل الشرق الأوسط. يعد لبنان مصدرا قيّما وغير مستغل إلى حد كبير لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، لأن لبنان كان له تاريخ حافل بالديناميكيات التي تشبه ما في الاضطرابات الحالية في المنطقة.

وللأسف، بالنظر من خلال عدسة لبنان، لا يوحي العلاج المتبع في المنطقة حاليا بأي طريق مثالي إلى الأمام. وستكون السياسات الفعالة شاقة وبطيئة ومؤلمة في بعض الأحيان. وكذلك، على غرار لبنان، لا يبدو أن المنطقة ستتخلص من آلامها في أي وقت قريب.

المصدر | إريك بوردنكنشر - ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد