الخميس 20 فبراير 2020 02:48 م

تثير التسريبات المتداولة حول المفاوضات الجارية في العاصمة الأمريكية واشنطن بشأن أزمة "سد النهضة" إلى تأزم الموقف المصري في القضية، ما قد يدفع القاهرة نحو تقديم تنازلات جوهرية في حقوقها المائية.

وعلى الرغم من التكتم الرسمي من قبل الحكومة المصرية، على بنود الخلاف، فإن التسريبات المتداولة من الجانبين الأمريكي والإثيوبي، تفيد بأن مصر ليست صاحبة الموقف الأقوى على طاولة المفاوضات.

ومن المتوقع، في ظل رغبة واشنطن في التوصل إلى حل للقضية من أجل إضافة إنجاز جديد لسجل إدارة الرئيس "دونالد ترامب"، أن يجري الضغط على القاهرة وأديس أبابا والخرطوم لتوقيع الاتفاق بحلول الشهر المقبل.

ووفقا لما نشره موقع "مدى مصر"، فإن واشنطن سلمت مسودة اتفاق للأطراف الثلاثة، لإبداء ملاحظاتها قبل إعداد الوثيقة النهائية.

بنود الخلاف

تصر القاهرة، على محاولة ربط مستويات المياه في كل من السد العالي (جنوبي مصر)، وسد النهضة، (شمالي إثيوبيا)، بمعنى أن معدل ملء سد النهضة لا ينبغي أن يزيد على معدل امتلاء بحيرة ناصر، وهو ما يرفضه المفاوض الإثيوبي.

وتطالب مصر كذلك بتأمين مستوى إغلاق السد العالي في أسوان - أي مستوى المياه في بحيرة ناصر الذي يسمح للسد بتوليد الكهرباء - والذي حددته مصر عند ارتفاع 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، بينما ترغب إثيوبيا في ضبط مستوى الإغلاق عند 156 مترا.

وتطالب القاهرة أيضا بالحصول على البيانات التي تسمح لها بمراقبة كمية الكهرباء التي ينتجها سد النهضة وبالتالي حساب تدفق المياه، وهو ما رفضته أديس أبابا بوصفه انتهاكًا لسيادتها.

ويمتد الخلاف المحتدم بين الطرفين، إلى قواعد ملء وتشغيل السد، حيث تطالب مصر أن تمتد فترة ملء السد إلى عشرة سنوات مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف، بينما تتمسك إثيوبيا بملء خزانات السد خلال أربع سنوات كحد أقصى.

وتبلغ السعة التخزينية للسد الإثيوبي نحو 74 مليار متر مكعب، وهي تساوي تقريبا مجموع حصتي مصر والسودان السنوية من مياه النيل.

حصص المياه

 ويبقى الخلاف الأبرز بين الأطراف هو ذلك المتعلق بحصة مصر السنوية من مياه النيل، التي تبلغ 55 مليار متر مكعب، من إجمالي 84 مليار متر مكعب من التدفقات السنوية لمياه النيل.

ويبدو أن الاتفاق الجديد لن يضمن تلك الحصة، وسط ضغوط أمريكية على الطرفين للموافقة على حصة سنوية قدرها 37 مليار متر مكعب فقط للمصر.

ووفق مسودة مسربة لمقترح قدمته إثيوبيا، الشهر الماضي، فإن المفاوض الإثيوبي يسعى إلى تقليص تلك الحصة إلى 31 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما ترفضه مصر، مبدية موافقتها على حصة سنوية لا تقل عن 40 مليار متر مكعب سنويا.

وأبدت مصر موافقتها المبدئية على فقدان ربع حصتها السنوية من المياه، لكن فقط كإجراء مؤقت، ولعدة سنوات، من أجل ملء خزان سد النهضة، على أن تعود لها حصتها التاريخية مستقبلا.

وتعتمد مصر على تاريخية حقوقها في نهر النيل، بموجب اتفاقيتي 1929 و1959 التي تعطيها 87% من مياه النيل وحق الموافقة على مشاريع الري والسدود في دول المنبع.

لكن خبراء يرون أن قيام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" بتوقيع "إعلان المبادئ" المثير للجدل في مارس/آذار 2015 مع إثيوبيا والسودان، أعطى شرعية قانونية لإثيوبيا لبناء السد، وفتح باب التمويل الدولي أمامها لاستكمال المشروع.

ضغوط أمريكية

الخطير في مفاوضات واشنطن، أن الوسيط الأمريكي بدأ ممارسة لعبة الضغوط، معلنا صراحة على لسان وزير خارجيته "مايك بومبيو"، أن حل الخلاف بين مصر وإثيوبيا "قد يستغرق شهورا"، وهو ما يمنح أديس أبابا المزيد من الوقت لفرض الأمر الواقع.

وقبل أيام، أعلن نائب مدير مشروع سد النهضة الإثيوبي، المهندس "بلاتشو كاسا"، إنجاز 86% من الأعمال الإنشائية للسد، على أن يبدأ ملء الخزانات في يونيو/حزيران المقبل.

ويزور "بومبيو" حاليا العاصمة الإثيوبيا أديس أبابا، ضمن جولة تشمل أيضًا السنغال وأنجولا، دون أن تشمل مصر، في إشارة إلى وجود تأييد أمريكي لحكومة رئيس الوزراء "آبي أحمد"، وهو ما يضعف من موقف مصر التفاوضي.

ويقول المحلل في معهد بروكينجز في واشنطن "أديسو لاشيتو"، إن "بومبيو" بصدد "محاولة دفع أخيرة" للتوصل إلى اتفاق، خلال وجوده في إثيوبيا.

وقد تتسبب الضغوط الأمريكية في التوصل إلى اتفاق متسرع يظهر للنور قريبا، بما يعني أن مصر قد تضطر لتقديم تنازلات غير محسوبة في المفاوضات إرضاء للولايات المتحدة.

مخاوف مستقبلية

وتحذر ورقة بحثية صادرة عن "مركز بروكينجز للأبحاث"، من أن أكبر منابع الخطر يكمن في عدم وجود آلية مستقلة تقبلها كل الأطراف لمراقبة وفرض الاتفاق.

ولذلك يطالب خبير الشؤون الأفريقية بمركز "الأهرام" المصري للدراسات الاستراتيجية (حكومي) "عطية عيسوي"، بضرورة إبرام اتفاق جديد ينص على اللجوء للتحكيم الدولي، بشأن أية خلافات مستقبلية حول السد.

وتسود الضبابية كذلك حول مصير مطالبات مصر بإشراكها في عملية تشغيل السد، وموقف الجانب الإثيوبي حال اعتراض القاهرة على سياسة التشغيل.

ويكتنف الغموض، إلى الآن، طبيعة المعايير التي سيتم إقرارها بشأن أمان السد، والتعامل مع حالات الطوارئ، والجفاف، والجفاف الممتد، وهي مخاطر مستقبلية لا يمكن غض الطرف عنها.

ويقول خبير شؤون المياه ومستشار وزير الري المصري السابق، "ضياء القوصي"، إن "مصر تستطيع الاعتماد على مخزون بحيرة ناصر (بحيرة السد العالي) لمدة 3 سنوات متصلة"، لكن مصر تتخوف من موسم الجفاف المتصل، الذي يقلل من حصيلة نهر النيل من مياه "النيل الأزرق" الذي يمد النيل بأكثر من 80% من مياهه.

وتبرز كذلك العديد من المخاوف من أن يفتح الاتفاق، الباب مستقبلا أمام بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، وكذلك سعي دول أخرى في حوض النيل للشروع في إقامة مشروعات مائية ثقيلة.

يبدو إذن أن التدخل الأمريكي لم يحل الورطة التي يعانيها المفاوض المصري في سد النهضة في ظل ميل ميزان القوي والوقائع على الأرض لصالح إثيوبيا، وهو ما يخبرنا أن نتائج أي اتفاق لن تصب بالضرورة في مصلحة مصر، التي توشك على فقدان جزء كبير من حقوقها التاريخية في مياه النيل.
 

المصدر | الخليج الجديد