الجمعة 21 فبراير 2020 01:04 م

بعد فترة وجيزة من تولي "رجب طيب أردوغان" منصب رئيس وزراء تركيا عام 2003، قال وزير الشؤون الخارجية لديه "أحمد داود أوغلو"، إن تركيا ستشرع في "سياسة صفر مشاكل" أو اللاخلاف مع جيرانها، وجاءت تصريحاته هذه بعد أن ظلت تركيا تسعى خلف عضوية الاتحاد الأوروبي لسنوات دون جدوى.

حتى قبل أن يصل حزب "العدالة والتنمية" الذي ينتمي إليه "أردوغان" إلى السلطة، أدرك رؤساء الوزراء الأتراك في التسعينيات من القرن الماضي أن تركيا ليست لديها فرصة لأن تصبح جزءًا من المجموعة الأوروبية.

في عام 1997، أسس رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب الرفاه الإسلامي "نجم الدين أربكان" منظمة التعاون الاقتصادي، التي تضم 8 دول إسلامية، بعد يأسه على ما يبدو في عضوية الاتحاد الأوروبي.

وحتى رؤساء الوزراء العلمانيون مثل "مسعود يلماز" و"تانسو تشيلر" تخلوا عن الأمل في الانضمام إلى الكتلة الأوروبية، ويبدو أن شكوكهم كانت قائمة على أسس جيدة.

ففي عام 2002، قال الرئيس الفرنسي السابق "فاليري جيسكار ديستان" إن العديد من السياسيين الأوروبيين اعتقدوا سراً أن "تركيا يجب ألا يُسمح لها أبدًا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".

اختار القادة الأتراك بدلاً من ذلك مواصلة علاقات أقوى مع جيران تركيا في الشرق الأوسط؛ ففي عام 2009، قال "بشار الأسد" إنه يعتبر تركيا أفضل صديق لسوريا؛ ورد "أردوغان" بأنه يعتبر "الأسد" كأخ، وفي عام 2010، قدم الزعيم الليبي "معمر القذافي" جائزته الدولية لحقوق الإنسان إلى "أردوغان" .

ولكن، بعد الانتفاضات العربية عام 2011، اعتقد "أردوغان" أن لحظة تركيا قد حانت مع صعود الإسلاميين، وخاصة "الإخوان المسلمين"  في مصر وتونس وسوريا. لقد اعتقد أن بلاده تسير على طريق النجاح الاقتصادي في الشرق الأوسط، وعندما لم تسر الأمور كما خُطط لها، رفض "أردوغان" تعديل سياسته في المنطقة.

تحول الأصدقاء السابقون إلى خصوم، باستثناء بضعة استثناءات مثل قطر المحاصرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية المحاصرة في طرابلس.

ولكن ربما كان التحدي الأكبر لخطة تركيا لتعزيز موقعها في الشرق الأوسط يأتي من روسيا؛ الشريك الاقتصادي الرئيسي لتركيا.

يدعم البلدان طرفان متعارضان في النزاعات في سوريا وليبيا، رغم أن مشاركتهما في هذه الصراعات كانت مدفوعة بأهداف مختلفة للغاية.

سياسة روسيا تجاه ليبيا عملية ومدفوعة بالمصالح الاقتصادية، فبعد انهيار نظام "القذافي" عام 2011، خسرت روسيا عقودًا بقيمة 10 مليارات دولار.

كان الدعم الغربي لحكومة الوفاق الوطني الليبية أقل بكثير مما قدمته الإمارات ومصر والسعودية لـ"خليفة حفتر"؛ قائد الجيش الوطني الليبي المعارض، وانتهز الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الفرصة المحتملة للفوز بعقود مربحة بعد انتهاء الصراع عبر تقديم الدعم الذي يحتاجه "حفتر" بشدة.

لعب المرتزقة من مجموعة "فاجنر" المرتبطة بالكرملين دورًا حاسمًا في دفع قوات الجيش الوطني إلى أبواب طرابلس. ولكن، لو كانت قدمت حكومة "الوفاق الوطني" قدمت وعودا لموسكو باتفاقات مهمة لإعادة الإعمار، لكان "بوتين" غير تحالفاته ودعمها.

وفي نهاية المطاف؛ ليست لدى روسيا مشكلة حقيقية في الاتفاق البحري لحكومة الوفاق مع تركيا - على عكس اليونان وقبرص ومصر - وهو الاتفاق الذي أعاد تنظيم المناطق الاقتصادية الموجودة في البحر المتوسط.

لذا، رغم أن مجموعة "سادات" الأمنية التركية أرسلت حوالي 2400 عضو من الجيش الوطني السوري المؤيد لأنقرة للقتال إلى جانب حكومة الوفاق، فإن الانقسام بين روسيا وتركيا ليس بشأن ليبيا، وإنما يتعلق الأمر بسوريا.

  • خلاف بشأن سوريا

في سوريا، لا تتوافق المصالح الوطنية الحيوية لتركيا مع روسيا أو الولايات المتحدة، والقضية العالقة بين الولايات المتحدة وتركيا تتعلق بمصير الأكراد السوريين.

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، حذر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" "أردوغان" من القسوة على الأكراد، وفي رسالة موجهة إلى "أردوغان"، قال "ترامب" إنه "لا يريد أن يكون مسؤولاً عن تدمير الاقتصاد التركي" إذا رفضت تركيا حماية الأكراد خلال هجومها شمال سوريا.

يتفهم "أردوغان" الجغرافيا السياسية ويعرف أنه لا يستطيع أن يمضي بعيداً في تحدي السياسة الإقليمية للولايات المتحدة دون المساس بالمصالح الوطنية لتركيا، التي تهددها الروابط العابرة للحدود بين الأكراد في تركيا وسوريا.

ويبدو أن الولايات المتحدة تقبلت وجهة نظر تركيا بشأن هذه القضية الحساسة.

وبالمثل، يتفهم "أردوغان" تاريخ تركيا مع روسيا ما يجعله متحفظا بشأن التصعيد العسكري، ففي نهاية المطاف، أدى تراجع الإمبراطورية العثمانية في البلقان وشمال أفريقيا إلى انتصار الإمبراطورية الروسية في معركة "ستافوشاني" عام 1739 و الحروب الروسية التركية اللاحقة في القرن التاسع عشر.

وفي عام 1853، سمى القيصر الروسي "نيكولاس الأول" الإمبراطورية العثمانية "رجل أوروبا المريض".

لا يريد "أردوغان" مواجهة عسكرية مع روسيا أو النظام السوري المدعوم من روسيا وإنما يريد صفقة سياسية مع روسيا، رغم أنه لا يثق في "بوتين".

تورط تركيا في سوريا لا يُقابل بشعبية في الداخل، حتى داخل حزب "العدالة والتنمية" نفسه، يعرف "أردوغان" أيضًا أن روسيا لا تريد أن تتورط في حرب أخرى مطولة، كما فعلت في أفغانستان خلال الثمانينيات، وهذا هو السبب في أن مشاركة موسكو في الصراع السوري اقتصرت على توفير الدعم الجوي لنظام "الأسد".

لكن تركيا تفتقر إلى خيارات حقيقية لوقف القتال في إدلب، وسوف يقاتل "أردوغان" في إدلب فقط إلى الحد الذي يتحمله "بوتين".

  • التسوية مسألة وقت

يدرك "أردوغان" أنه يتعين عليه القيام بتسوية لإقامة منطقة منزوعة السلاح على طول الحدود لاستيعاب اللاجئين الفارين من إدلب، وأنه ليس مستعدًا لتهديد المصالح التركية في أماكن أخرى من أجل النصر في شمال سوريا.

وفيما لا يتوقف الرخاء الاقتصادي لتركيا على الاستيلاء على إدلب، إلا إنه يعتمد على التعاون مع روسيا.

يزور تركيا كل عام أكثر من 7 ملايين سائح روسي، ويعتمد برنامج الطاقة النووية في تركيا اعتمادًا كبيرًا على الخبرة والدعم الفنيين الروسيين، كما أن خط أنابيب الغاز الطبيعي "تورك ستريم"، الذي يمتد من روسيا إلى تركيا، أمر حيوي للتنمية الاقتصادية في البلاد.

لن يسمح "أردوغان" لغضبه من انتهاك روسيا لاتفاقات سوتشي وأستانة - المتعلقة بخفض التصعيد في إدلب - بعرقلة رؤيته لتركيا، ولا يمكن القضاء على المكاسب الإقليمية للنظام السوري بعد هجومه في إدلب الذي بدأ في أبريل/نيسان 2019 واستؤنف في ديسمبر/كانون الأول.

لا يزال بإمكان الجيش التركي السيطرة على المنطقة الحدودية، مما يسمح العرب السوريين بتشكيل منطقة عازلة بينهم وبين الأكراد، و"الأسد" مستعد لتقبل مثل هذه الخطوة لأن سكان إدلب ليسوا محوريين في نموذجه لسوريا ما بعد الصراع.

لم يتدخل "بوتين" في سوريا لمحاولة إنهاء الصراع، وإنما أراد أن يجعل روسيا القوة العسكرية المهيمنة واللاعب السياسي الحاسم في سوريا، وقد نجح في القيام بذلك.

وكما هو الحال في ليبيا؛ فإن لروسيا مصالح اقتصادية في سوريا. ففي عامي 2018 و 2019، كانت السكك الحديدية والزراعة والمعدات الثقيلة والهيدروكربونات وشركات البناء الروسية من المشاركين الرئيسيين في معرض دمشق الدولي.

تركيا أيضًا لديها مصالح اقتصادية هناك، ولديها فرصة للانضمام إلى إعادة إعمار سوريا إذا كان بإمكانها التوصل إلى تسوية مع النظام السوري، وهي مسألة وقت فقط.

تعتبر تركيا قوة إقليمية صاعدة تحتاج إلى صنع السلام مع جيرانها والتركيز على التنمية الاقتصادية، لكن روسيا تطمح إلى لعب دور رائد في بناء نظام أمني جديد في الشرق الأوسط.

وفي ظل حنين روسيا إلى الماضي السوفيتي؛ ترفض قبول وضعها كقوة إقليمية وتريد أن تكون على قدم المساواة مع الولايات المتحدة.

لذا، بينما يستخدم "أردوغان" الكثير من الخطابة حول محاولة استعادة مجد تركيا السابق، فإن نهجه إزاء الشرق الأوسط سيكون أكثر براجماتية.

المصدر | هلال خاشان/جيوبوليتكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد