تعد صفقات السلاح أحد الأسباب القوية للعلاقة الوثيقة بين نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، والقوى الأوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.

ومنذ وصول "السيسي" إلى الحكم، منتصف العام 2014، أبرمت مصر صفقات سلاح بمليارات الدولارات، وضعتها في المرتبة الثالثة عالميا ضمن أكبر مستوردي السلاح، خلال الفترة بين 2014 و2018، بحسب "معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام".

وخلال نحو 6 سنوات، وقفت العديد من الدوافع السياسية والاسراتيجية وراء تحول مصر إلى أكبر مستورد للسلاح الروسي والفرنسي والألماني، وإلى بناء علاقات شراكة بين "السيسي" والاتحاد الأوروبي.

شراء الشرعية

في البداية، كان هاجس "السيسي" الأكبر، تأمين شرعيته كرئيس جاء بانقلاب عسكري أطاح بحكم الرئيس المنتخب الراحل "محمد مرسي"، وهو ما دفعه لإبرام عدد كبير من الصفقات خلال وقت وجيز لإثبات حضوره الدولي.

وفي محاولة لفتح أبواب أوروبا أمام الرئيس المصري، أبرم "السيسي" صفقات سلاح ضخمة بمليارات الدولارات مع القوى الأوروبية، رغم العجز الشديد في الموازنة وتضخم الديون الخارجية والداخلية للبلاد.

ووفق مراقبين، فإن المصالح العسكرية والاقتصادية تمثل العامل الأول في علاقة الغرب بمصر، حيث تبنى العلاقات الخارجية على المصالح، دون الالتفات إلى قضايا حقوق الإنسان أو قيم الديمقراطية.

بطاقة الإرهاب

بالتوازي مع ذلك، نجح "السيسي" في توظيف الهجمات العنيفة التي تشهدها "شمال سيناء" (شمال شرق)، في تقديم نفسه بوصفه الرئيس الملتزم بعقيدة "مكافحة الإرهاب"، ما يبرر الفواتير الباهظة للأسلحة التي تشتريها مصر، ويؤمن لها قروضا لجلب مقاتلات متطورة، وحاملات طائرات وأنظمة صاورخية حديثة.

ومع تمدد نفوذ "ولاية سيناء" الذراع المحلية في مصر لـ"الدولة الإسلامية"، واعتبار ذلك خطرا على أمن الحدود المصرية الإسرائيلية، تلاقت رغبات نظام "السيسي" مع المصالح الأوروبية، والأمريكية، في تدعيم قدرات الجيش المصري.

لكن العام 2015، شهد تحولا لافتا، في دوافع صفقات السلاح، من الشرعية والإرهاب، إلى الرغبة الخالصة في استرضاء حلفاء دوليين، جراء أزمات عنيفة ضربت النظام المصري الحاكم.

أبرز تلك التحولات، كان إسقاط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء بعبوة ناسفة، زرعها "الدولة الإسلامية" ضمن حقائب الركاب ما تسبب في مقتل جميع ركاب الطائرة البالغ عددهم 227 شخصا، وما تلا ذلك من فرض حظر طيران روسي غربي على الرحلات المتجهة إلى المنتجعات المصرية على البحر الأحمر.

ونتيجة لذلك، كانت هناك حاجة ماسة وملحة لنظام "السيسي" لاسترضاء موسكو عبر صفقات سلاح ضخمة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، شملت "مقاتلات ميغ - 29 ودبابات تي 90، ومروحيات، وصواريخ كورنيت المضادة للدبابات، وطائرات التدريب القتالية باك 130، ومروحيات النقل العسكرية، وأخيرا المقاتلات من طراز سو-35".

وتقول تقديرات "معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام"، إن واردات مصر من السلاح الروسي، زادت بنسبة 150% بين عامي 2014 و2018.

فرنسا وإيطاليا

وفي العام 2016، سقطت الطائرة المصرية القادمة من باريس إلى القاهرة ما تسبب في مقتل 65 راكبا، وهو ما دفع مصر لمحاولة استرضاء باريس من خلال عدة صفقات أسلحة ضخمة، أبرزها طائرات "رافال" المقاتلة وحاملتي الطائرات من طراز "ميسترال"، إضافة إلى مجموعة فرقاطات وقطع بحرية متطورة.

وتعد مصر أكبر مستورد للسلاح الفرنسي في المنطقة بنسبة بلغت 28% خلال السنوات الأربع الماضية.

ودفع مقتل الباحث الإيطالي "جوليو ريجيني" في العام ذاته، وسط اتهامات بتورط أجهزة سيادية مصرية في تعذيبه حتى الموت، دفع نظام "السيسي" إلى شراء الصمت الإيطالي بعدد من صفقات السلاح.

ووفق وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإيطالية، فقد حققت مصر رقماً قياسياً على مستوى مشتريات الأسلحة والذخائر والنظم المعلوماتية الأمنية الإيطالية خلال 2018، متخطيةً الـ69 مليون يورو.

وتترقب مصر، صفقة ضخمة، من إيطاليا لشراء الفرقاطتين "فريم" (سعر الواحدة 700 مليون يورو)، وعدد من الأسلحة البحرية وتقنيات للمراقبة والتسيير عن بعد، وطائرات مقاتلة، وطائرات هليكوبتر من طراز "أغوستا ويستلاند 149".

الهجرة وحقوق الإنسان

مجددا.. نجح "السيسي" في تقديم نفسه للأوروبيين، كـ"شرطي" لوقف تدفقات الهجرة من جنوب إلى شمال المتوسط، وتأمين الحدود المصرية الليبية، والحيلولة دون قيام موجات نزوح جديدة باتجاه أوروبا.

لكن برلين، الزعيم الفعلي للاتحاد الأوروبي، كانت تحتفظ بموقف متشدد نوعا ما تجاه أوضاع المجتمع المدني، والحريات السياسية، وملاحقة المعارضين في مصر، لكن هذا التشدد زال تدريجيا مع إلحاح ضغط ورقة الهجرة غير الشرعية، وإبرام المزيد من صفقات التسليح.

وبلغت واردات مصر من السلاح الألماني خلال النصف الأول من عام 2019 حوالي 801.8 مليون يورو.

وخلال السنوات الخمس الماضية، ارتفعت صادرات السلاح الألمانية لمصر بنسبة 205%، وتضمنت 4 غواصات بقيمة مليار يورو، إضافة إلى 330 صاروخا (جو - جو) وغيرها من الأسلحة الخفيفة، وناقلات الجند والدبابات.

أولويات أوروبية

من آن لآخر، يحضر ملف حقوق الإنسان على طاولة التفاوض بين مصر والشركاء الأوروبيين، لكن صفقات السلاح الضخمة، تتكفل بتأجيله، أو طرحه جانبا، أو تغييبه عن عمد.

ويمكن القول كذلك، إن ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية هو الذي يحتل الأولوية في علاقة الاتحاد الاوروبي مع القاهرة، يليه العلاقات الاقتصادية القوية التي تشكل صفقات السلاح الضخمة.

وومع تقديم مصر في عهد "السيسي" نفسها بوصفها مستوردا كبيرا للسلاح، تتهافت عواصم أوروبية وشركات سلاح عملاقة لكسب ود "السيسي" باعتباره "زبونا سخيا".

وعلاوة على السلاح، يقدم "السيسي" نفسه طرفا أساسيا في ضمان الاستقرار بالشرق الأوسط، مؤكدا أن تدهور استقرار نظامه، قد يؤثر أمنياً على الدول المحيطة بمصر وفي مقدمتها (إسرائيل).

بخلاف ذلك، يبدو أن هناك اتفاقا ضمنيا بين "السيسي" وعدد من القادة الأوروبيين حول ضرورة لجم النفوذ التركي في المنطقة، والعمل على إجهاض طموحات الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في سوريا وليبيا وشرقي المتوسط.

خلاصة الأمر، يبدو أن "السيسي" نجح في النهاية إلى استمالة الغرب إلى جانب نظامه، تارة بأوراق اقتصادية وصفقات عسكرية، وتارة باستغلال ورقتي مكافحة الإرهاب والعلاقة مع (إسرائيل)، فضلا عن التضخيم المفتعل لفزاعتي الإسلام السياسي، والهجرة غير الشرعية.

المصدر | الخليج الجديد