الجمعة 21 فبراير 2020 09:53 م

كان لإعلان ترشح الرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقة" لولاية خامسة، وقع الصدمة في الجزائر، ما خلق حالة غليان، بدأ على مواقع التواصل الاجتماعي ثم انتقل إلى احتجاجات ميدانية عارمة.

ومنذ انطلاقه في 2019، بقي الحراك الشعبي في الجزائر في حالة مد وجزر.

ورغم نجاحه في دفع "بوتفليقة" إلى الاستقالة، وتسببه في سجن عدد من كبار المسؤولين بتهمة الفساد، يواصل المحتجون حراكهم، المستمر منذ عام، فهل سينجحون في إحراز "شئ كبير" أم أن الحراك سيفقد زخمه، في النهاية، مع الوقت؟

كان هذا هو السؤال الذي حمله تقرير نشره موقع إذاعة صوت ألمانيا "دويتش فيله"، مع حلول الذكرى الأولى للحراك في 22 فبراير/شباط الجاري، لا تزال التعبئة كبيرة، الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع في العاصمة، وفي مدن أخرى، رغم تراجع زخمها، مقارنة مع المسيرات الحاشدة التي خرجت في ربيع 2019 أو حتى بالمقارنة مع الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية.

وقال التقرير إن الاحتجاجات التي انطلقت منذ 22 فبراير/شباط 2019، عمت معظم مدن الجزائر للمطالبة، في بادئ الأمر، للمطالبة بعدم ترشح "بوتفليقة"، وعبر المتظاهرون عن رفضهم، من خلال ترديد شعارات مختلفة، أبرزها "لا للعهدة الخامسة".

وأضاف: مع تواصل الاحتجاجات، أعلن "بوتفليقة"، في 11 مارس/آذار 2019، تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في 18 أبريل/نيسان 2019، كما أعلن عن عدوله عن الترشح لولاية خامسة، ودعا إلى تشكيل حكومة جديدة.

لم تثنِ هذه القرارات المتظاهرين عن مواصلة حراكهم ضد "بوتفليقة"، البالغ من العمر 82 عاماً، والذي يعاني من تداعيات جلطة دماغية أصيب بها عام 2013، أقعدته على كرسي متحرك منذ أعوام.

ويمضي التقرير قائلا: بعد دخول الاحتجاجات أسبوعها السادس، احتشد مئات الآلاف من الجزائرين في مختلف الولايات، في السّاحات الرّئيسية بالبلاد، مطالبين برحيل النّظام الحاكم وتفعيل المادة (7) من الدستور، التي تنص على أن "الشّعب هو مصدر كل سلطة".

وحينها، أعلن رئيس أركان الجيش "أحمد قايد صالح"، أن حل الأزمة في البلاد يكمن في تفعيل المادة (102)، التي تنص على إعلان شغور منصب الرّئيس.

ولم تفلح محاولة "بوتفليقة"، تشكيل حكومة جديدة، في 31 مارس/آذار 2019، والتي احتفظ فيها بمنصب وزير الدفاع، وتضمنت أسماء أخرى من النظام القديم، أبرزهم نائب وزير الدفاع "أحمد قايد صالح".

وشهدت العاصمة الجزائرية ومدن أخرى تظاهر الآلافِ من الجزائريين، الذين رفعوا سقفَ مطالبِهم إلى "إسقاطِ النظام".

وسرعان ما تواصلت الاحتجاجات، التي اتسمت بالسلمية، واعتبرت الأكبر منذ تولي "بوتفليقة" سدة الحكم عام 1999.

ومع استمرار الحراك الشعبي، وإصرار قائد الجيش على رحيل "بوتفليقة"، من خلال تطبيق المواد (7) و(8) و (102) من الدستور، ازداد تأزم الوضع في الجزائر.

وبعد أن أمضى نحو 20 عاماً في الحكم، قدم "بوتفليقة"، استقالته في 2 أبريل/نيسان 2019، مستسلما أمام ضغط الشارع.

ورغم دفع "بوتفليقة" إلى تقديم استقالته، والتسبب في سجن عدد من كبار المسؤولين ورجال الأعمال بتهمة الفساد، منهم "سعيد بوتفليقة" الشقيق الأصغر للرئيس السابق، يواصل المحتجون المطالبة بتفكيك النظام ورحيل رموزه.

لكن الكثيرين - بحسب التقرير - يتساءلون عن الاتجاه الذي ينبغي أن تتخذه الحركة الاحتجاجية منذ انتخاب الرئيس "عبدالمجيد تبون"، وبدء عمل حكومته.

وما بين شرعية منقوصة، وتحديات قائمة، إلى نظام سابق يسعى للحفاظ على وجوده في موازاة حراك فاعل في الشارع، يرى تقرير "دويتش فيله" أن "تبون" سيواجه ولاية رئاسية ساخنة، في بلد تحظى فيه المؤسسة العسكرية بحضور نافذ، ومعارضة تحاول الاستفادة من دروس الربيع العربي في تسيير سفينة حراكها السلمي دون صدام.

وقال إنه بمجرد انتخابه في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، وعد "تبون" بتعديل الدستور، وشكل لجنة من الخبراء لإعداد مسودة ستعرض للاستفتاء الشعبي.

وبدأ الرئيس، الذي يحاول كسب ودَ المحتجين، مشاورات مع شخصيات سياسية بعضها محسوب على الحراك، من أجل الوصول إلى "دستور توافقي".

ويضيف التقرير أنه في مقابل تحديات الشرعية التي تواجه الرئيس، فإن الحراك الثوري في الشارع الجزائري يواجه اختبارا هو الآخر، بعد أن أصبح انتخاب "تبون" أمرا واقعا، وسط مخاوف من انقسام القوى السياسية، وعدم وجود سقف زمني لتلك الاحتجاجات، التي قد تفقد زخمها وقوتها مع مرور الوقت.

هذا الهاجس دفع حركة "مجتمع السلم"، أبرز حزب إسلامي في الجزائر، إلى قبول عرض "تبون" للحوار، بل إن رئيس الحزب "عبدالرزاق مقري" دعا إلى منح "تبون" الفرصة كاملة لينجح في مهمته.

كذلك اعتبر القيادي في "حركة عزم" (شبابية معارضة)، "حمزة حسام"، أن "الحديث عن شل قدرات الرئيس لم يعد ممكنا، وأنه ينبغي على جميع القوى الانخراط في مسار التغيير، عبر أدوات جديدة، تسهم في استكمال مسار الانتقال الديمقراطي".

في السياق ذاته، دعت جبهة القوى الاشتراكية إلى حوار جاد عبر تهيئة جو من التهدئة، لاسيما من خلال إطلاق سراح معتقلي وسجناء الرأي واحترام حريات التعبير والتظاهر والاجتماع.

وينقل التقرير عن مراقبين قولهم إن مستقبل الحراك الجزائري يتوقف على مدى قدرته على الاستمرار والحفاظ على الزخم، وتطور آلياته في الضغط السلمي لانتزاع مكاسب جديدة عبر المحطات المختلفة لولاية "تبون" التي ستشمل مرحلة انتقالية تتضمن تعديل الدستور، مع إمكانية حل البرلمان والمجالس المحلية، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة.

ولا يمكن بحال من الأحوال - بحسب التقرير - إغفال دور المؤسسة العسكرية الجزائرية خلال المرحلة المقبلة، وسط ترقب لطموحات ودور رئيس الأركان الجديد، اللواء "سعيد شنقريحة"، المعروف عنه حبه للعمل الميداني، وابتعاده عن الأضواء وغرف السياسة.

يقود "تبون" - إذن - الانتقال السياسي في الجزائر بحكم الواقع، تحيطه هتافات شارع ثائر يطالب بالإصلاح وتفكيك تركة النظام السابق وتقليص دور الجيش في السياسة.

المصدر | الخليج الجديد