لطالما كان البحر المتوسط ​​منطقة استراتيجية للحركة البحرية العسكرية والتجارية. ورغم وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) هناك، تعمل روسيا على تكثيف تواجدها هناك على قدم وساق.

فهل يصبح البحر المتوسط الملعب الجديد للبحرية الروسية؟

تتخذ روسيا جميع الخطوات التي تراها لازمة لتوسيع وجودها البحري في شرق البحر المتوسط؛ ​​لأن ذلك أسهل من محاولة التنافس مع الولايات المتحدة على محيطات العالم، وفقا للخبير في شؤون الجيش الروسي، "دميتري جورنبرج"، في تحليل أجراه مركز "جورج سي مارشال" الأوروبي للدراسات الأمنية.

وكتب "جورنبرج": "يعدّ الحفاظ على الوجود البحري في البحر المتوسط ​​استراتيجية أكثر فاعلية بالنسبة للبحرية الروسية من السعي وراء المناطق البحرية النشطة عالميا؛ لأن روسيا لا تملك الموارد ولا الطموحات العالمية لتحدي تفوق البحرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم. وبالتالي فإن تركيز موسكو على تطوير وتوسيع أسطولها في البحر المتوسط ​​هدف محدود يمكن تحقيقه، ويتوافق بشكل جيد مع أهداف السياسة الخارجية لروسيا في المنطقة".

وخلال الحرب الباردة، كانت السفن الحربية السوفيتية مشهدا مألوفا في المتوسط. وكان الهدف الأساسي لتواجد الأسطول ​​السوفيتي الخامس، الذي تم إنشاؤه عام 1967، في البحر المتوسط، هو حاملات الطائرات الأمريكية؛ ليكون على استعداد لضربها بالصواريخ والطوربيدات وحتى الأسلحة النووية في حالة الحرب. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي تم حل هذا الأسطول عام 1992.

وتم إحياؤه من جديد عام 2013، باسم "أسطول البحر المتوسط"؛ حيث تم اختياره بشكل أساسي من سفن أسطول البحر الأسود، الذي تم تجهيزه نفسه بالعديد من الغواصات والسفن السطحية الجديدة. وفي هذه الأثناء، أصبح ميناء "طرطوس" السوري، وهو محطة سابقة للأسطول الخامس خلال الحرب الباردة، قاعدة روسية أخرى لخدمة السفن الحربية، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية.

وكتب "جورنبرج": "منذ إضافة 6 غواصات من طراز فارشافيانكا إلى البحرية الروسية عام 2017، وضعت روسيا سفينتين من هذا النوع في طرطوس بسوريا. وشاركت السفن والغواصات السطحية من أساطيل روسيا الأخرى، وخصوصا الأسطول الشمالي وأسطول البلطيق، في عمليات أسطول المتوسط في أوقات مختلفة أيضا. وساهمت تلك القوة بنشاط في العمليات العسكرية الروسية في سوريا. وإضافة إلى نقل القوات، أطلقت سفن تابعة لأسطول البحر الأسود صواريخ كاليب على أهداف برية في جميع أنحاء سوريا".

وأضاف: "تعقبت السفن الروسية السفن الأمريكية في شرق المتوسط، وتتبعت الغواصات الروسية المنتشرة في البحر المتوسط ​​منصات الولايات المتحدة وحلف الناتو هناك أيضا. وسهل الأسطول أيضا جهود الدبلوماسية البحرية الروسية؛ حيث استخدمت سفن من الأسطول موانئ في قبرص ومصر ومالطا كموانئ اتصال".

إضافة إلى ذلك، تعمل الطائرات الروسية من القواعد السورية، فضلا عن مجموعة متنوعة من أنظمة الصواريخ، بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى من طراز "إس-300" و"إس-400" و"بانتسير" قصيرة المدى، بالإضافة إلى صواريخ الدفاع الساحلي المضادة للسفن. ويعزز وجود قوة دائمة في البحر المتوسط ​المكانة الروسية في المنطقة، ويثبط العمليات العسكرية الغربية في تلك المناطق، ويوفر الأمن ضد اعتبار المتوسط قاعدة لقوات معادية يمكنها ضرب روسيا.

ويرى "جورنبرج" أن موسكو تتفادى امتلاك قوة بحرية على الطراز الأمريكي مع حاملات طائراتها الكبيرة لصالح امتلاك قوات دفاعية أكثر مزودة بأسلحة مثل الطرادات الصغيرة المزودة بصواريخ. والفكرة هي أن البحرية الروسية يمكنها استخدام هذه السفن لإنشاء مناطق بحرية يصعب على قوات العدو اختراقها.

وتشكل هذه "الفقاعات الصاروخية" في البحر الأسود وشرق المتوسط ​​مجموعة من الدفاعات ذات الطبقات والنواقل المتعددة للهجوم من خلال مزيج من الصواريخ طويلة المدى التي يمكن إطلاقها من البحر والجو والأرض، ويتم استخدامها لمهام "منع الولوج"، مع أنظمة أقصر مدى للدفاع الساحلي والجوي تركز على الدفاع عن المنطقة البرية.

وستستمر الطرادات والمدمرات التي تعود إلى الحقبة السوفيتية في القيام بزيارات للموانئ من أجل ترسيخ المكانة، لكن السفن الصغيرة والصواريخ ستشكل جوهر البحرية الروسية في البحر المتوسط ​​وفي أي مكان آخر. ويتوقع "جورنبرج" أن يضم أسطول المتوسط الروسي من ​​10 إلى 15 سفينة حربية سطحية واثنين من الغواصات.

ومع ذلك، تواجه روسيا تحديات قاسية للحفاظ على وجود بحري ذي مغزى في البحر المتوسط​​ كما يشير "جورنبرج"؛ حيث يتعثر الاقتصاد الروسي، وتعاني أحواض بناء السفن في البلاد تأخيرات، وقد تمثل عملية الإمداد لقواتها المتوسطية عبر مضيق البوسفور في زمن الحرب مشكلة.

ويضيف "جورنبرج": "بسبب هذه التحديات، يتعين على القيادة الروسية، قبل أي اندلاع حرب في شرق المتوسط، أن تختار ما إذا كانت ستقاتل في المتوسط ​​أو ستحاول إعادة القوات إلى البحر الأسود للدفاع عن حدود روسيا الجنوبية. وإذا بقيت القوات الروسية في البحر المتوسط، فستشكل تهديدا خطيرا لقوات الولايات المتحدة والناتو عبر خلق بيئة حرب صاروخية وإلكترونية كثيفة في أقصى شرق المتوسط. وسيتعين على روسيا أن تتوقع أنها قد تخسر هذه القوات أمام قوة عدو متفوقة عدديا ونوعيا في نهاية المطاف، وإن كان ذلك بعد تكبيد خصمها تكلفة عالية".

المصدر | مايكل بيك/ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد