الاثنين 24 فبراير 2020 11:41 ص

وقع الأردن و(إسرائيل) اتفاق السلام التاريخي بينهما في 26 أكتوبر/تشرين الأول عام 1994، وأقام الجانبان علاقات دبلوماسية كاملة. وبينما كانا في حالة "سلام بارد" منذ ذلك الحين، مع بعض الاشتباكات الطفيفة بينهما، فقد شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي تدهورًا كبيرًا في العلاقات.

كانت عمّان قد استدعت سفيرها لدى (إسرائيل) احتجاجًا على احتجاز السلطات الإسرائيلية اثنين من الأردنيين دون أية تهم، وبالرغم أن (إسرائيل) أطلقت سراحهما بعد فترة وجيزة، مما حال دون حدوث أزمة دبلوماسية كاملة، لا تزال التوترات قائمة حيث حذر الملك الأردني، "عبدالله الثاني"، قرب نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من أن العلاقات مع (إسرائيل) كانت في "أدنى مستوياتها على الإطلاق".

جاء ذلك في الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة السلام بين الجانبين، والتي لم يحيي أي منهما حفلا لذكراها كما كان متوقعًا، مما أثار مخاوف بشأن العلاقات المتدهورة بشدة بينهما.

لكن هذا العامل وحده لا يفسر تمامًا سبب تعريض العلاقات الأردنية الإسرائيلية للخطر.

تجنب الملك "عبدالله" ذكر تفاصيل محددة، فعبّر عنها بعبارة "المشاكل التي نواجهناها مع إسرائيل ثنائية".

وأضاف الملك: "أتمنى الآن، مهما حدث في (إسرائيل) خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة، أن نعود إلى التحدث مع بعضنا البعض حول قضايا بسيطة لم نتمكن من التحدث عنها طوال العامين الأخيرين".

دعت بعض الشخصيات في البرلمان الأردني إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا. وقال النائب الأردني ورئيس لجنة فلسطين، "يحيى السعود"، أن "العلاقات الأردنية الإسرائيلية في أسوأ ظروفها، لذلك من الضروري الاستفادة من التدهور في هذه العلاقات وطرد السفير الإسرائيلي".

تشير كلمات "يحيى السعود" إلى التوترات العميقة بين الأردن و(إسرائيل). ويشارك معظم الناس في هذا الشعور أيضًا، خاصة وأن العديد من مواطني الأردن هم لاجئون فلسطينيون.

على مر السنين، تم اختبار العلاقات الإسرائيلية الأردنية من خلال حوادث أصغر وأقل خطورة، ولم تحدث أي أضرار جسيمة، ولم يكن هناك شيء قريب مما حدث في الأشهر الأخيرة.

في عام 2017؛ احتضن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بشكل غريب المسؤول الأمني الإسرائيلي الذي قتل بالرصاص اثنين من الأردنيين في السفارة الإسرائيلية في عمان.

وبالرغم من إظهار إحباطها تجاه (إسرائيل)، إلا أن عمّان حريصة بشكل واضح على تأمين علاقاتها مع تل أبيب. في عام 2016، اتفق الأردن و(إسرائيل) على صفقة لضخ الغاز الإسرائيلي إلى عمان. وأثار هذا احتجاجات من قبل الآلاف من الأردنيين، مما يدل على أن معظم البلاد تعارض الصلات القوية مع (إسرائيل).

تعرضت "خطة السلام" التي أطلقتها الولايات المتحدة والمعروفة باسم "صفقة القرن" والتي كشف عنها الرئيس "دونالد ترامب" ومستشاره "جاريد كوشنر" في يناير/كانون الثاني، لانتقادات باعتبارها شرعنة لضم (إسرائيل) واحتلالها للضفة الغربية، التي كانت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 1967.

يمنح الاتفاق (إسرائيل) الضوء الأخضر لضم وادي الأردن الاستراتيجي في فلسطين المحتلة، على الحدود الأردنية. ويربط وادي الأردن بين الجبال الشرقية للضفة الغربية المحتلة وبحر الجليل في الشمال، والبحر الميت في الجنوب.

كان "نتنياهو" قد أعلن في وقت سابق عن نيته لضم غور الأردن، لكن هذا التصرف لا يمثل انتهاكًا للقانون الدولي يسحق فعليًا آمال قيام دولة فلسطينية مستقلة فحسب، بل هو خطوة استفزازية للغاية تجاه عمان.

وقد انتقدت عمّان هذا الجزء من صفقة "ترامب" وحذرت من أنها لن تعترف بأي ضم لهذه المنطقة الاستراتيجية.

"لن يكون الأردن جزءًا من أي خطة لا تتناسب مع مصالحه.. لن نرسم الحدود ولن نعطي الجنسية الأردنية لأي شخص"، هذا ما قاله مسؤول لم تكشف صحيفة "جوردان تايمز" عن هويته. وأضاف: "لدينا ثوابت يجب حمايتها في الأقوال والأفعال".

ومع ذلك، فإن صفقة "ترامب" منحت (إسرائيل) أكثر من الحصانة التي تتمتع بها تاريخياً من الولايات المتحدة، مما يعني أنها ستحظى بثقة أكبر لتنفيذ توسعها، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الانقسامات مع الأردن.

وبالرغم أن الدول العربية بما في ذلك السعودية والإمارات أعربت في البداية عن دعمها لصفقة "ترامب"، إلا أن الجامعة العربية أدانتها لاحقًا بعد أن أصبحت أكثر وعياً بالشروط.

وبينما احتج الأردنيون في عمّان على تصرفات (إسرائيل) ورغبتها في ضم وادي الأردن، إلا أن عمّان تفضل حاليًا تجنب قطع العلاقات مع (إسرائيل).

بعد كل شيء، يعتبر الشركاء الرئيسيون لعمّان هم السعودية (المرتبة الثانية) والولايات المتحدة (المرتبة الثالثة) والإمارات (المرتبة الرابعة)، مما يعني أنها لن ترغب في اتخاذ موقف يختلف على نطاق واسع عن هذه البلدان خاصة وأن الولايات المتحدة تدعم (إسرائيل) بقوة، وأن السعودية والإمارات حريصتان على تطوير العلاقات معها.

لذلك يمارس الأردن ضبط النفس ولا يتجاوز الانتقاد الخفيف لـ(إسرائيل) حتى يتجنب تعريض علاقاته مع هذه البلدان الأخرى للخطر.

في هذه الأثناء، رأى كتاب في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية ، مثل "أوري نير" و"روجيل ألفير"، أن التيار اليميني في (إسرائيل) لا يريد السلام مع الحكومة الأردنية، مشيرين إلى رأي داخل هذه الأحزاب يعتبر حكم الملك "عبدالله" كتهديد.

ومع ذلك، هناك أصوات إسرائيلية تحذر من التوترات المتزايدة مع الأردن.

قال الرئيس السابق للموساد "إفرايم هليفي"، الذي كان محقا في تفسير كثير من مواقف السياسة الخارجية لـ(إسرائيل)، في مقابلة إنه يرى أن التحرك نحو وادي الأردن "يشكل خطرًا كبيرًا على معاهدة السلام". 

وأضاف "هليفي": "أعتقد أن الخطر لا يأتي من الأردنيين بل منا، من (إسرائيل).. على مر السنين، نأت الحكومات الإسرائيلية عن الأردن. لقد أظهروا أيضًا ازدراء تجاه الأردن بينما تدهور الوضع الجيوسياسي في الأردن إلى حد كبير".

وتظهر رغبة (إسرائيل) في ضم غور الأردن عدم احترام لعمّان ورغباتها. علاوة على ذلك، كما يقول الكاتب "روجيل ألفير"، فإن (إسرائيل) لا تسعى فقط إلى سحق آمال الدولة الفلسطينية، بل تهدف أيضًا إلى تحقيق فكرة صهيونية عميقة مفادها أن الأردن هو فلسطين.

واليمين الإسرائيلي الذي يزداد عنصرية وتطرفا يدعم هذا المخطط.

أوضح "ألفير" أن "هدف اليمين الإسرائيلي هو إذلال "عبدالله"، ودفعه لتعليق أو إلغاء اتفاق السلام وبعد ذلك سيكون من الممكن التحرك لإزاحته عن السلطة.

وبالرغم أن ضم غور الأردن لن يتم النظر فيه إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة في مارس/آذار، إلا أنه سيكون بالتأكيد نقطة حاسمة بخصوص معاهدة السلام بين (إسرائيل) وجيرانها، والأردن بشكل خاص.

المصدر | جوناثان فنتون هارفي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد