الاثنين 24 فبراير 2020 01:25 م

في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا حصرياً حول التستر الإيراني على إسقاط طائرة "بوينج 737" الأوكرانية فيما أودى بحياة جميع ركابها البالغ عددهم 176 راكباً، وكشفت طريقة سير الأمور ومن المسؤول عن ذلك.

لكن الملحوظ أن المقال احتوى خطأين فادحين في التحليل الاستخباراتي.

بعد ساعات قليلة من استهداف الحرس الثوري الإيراني لقاعدتين أمريكيتين في العراق في 8 يناير/كانون الثاني الماضي، بأكثر من 12 صاروخًا ردا على اغتيال قائد فيلق القدس "قاسم سليماني"، أسقطت وحدة للدفاع الجوي في الحرس الثوري قرب طهران بطريق الخطأ طائرة "بوينج 737" أوكرانية.

وفي تستر ممنهج، ألقت الحكومة باللوم في الحادث على "العيوب الفنية" وأخفت السبب الحقيقي للحادث المأساوي لمدة 3 أيام قبل اعترافها بالمسؤولية تحت ضغط محلي ودولي متزايد.

بعد أقل من 3 أسابيع، في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً حصرياً بعنوان "تشريح كذبة.. كيف قامت إيران بالتستر على إسقاط طائرة"، حيث عرضت بالتفصيل، للمرة الأولى، كيف حدث التستر ومن المسؤول عن ذلك.

بالإضافة إلى تقديم مجموعة من الإشارات حول طريقة عمل السلطات الإيرانية في طهران خلال تلك الأيام، قدمت الصحيفة معلومتين لا يمكن تصديقهما بشكل كبير، ما أثار الشكوك حول سقوط صحيفة "نيويورك تايمز" في مصيدة دعائية خططت لها الدولة.

رواية غير معقولة

أشار السبق الصحفي إلى أن المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" جرى إبلاغه بالخطأ البشري فقط عند غروب الشمس أو في مساء اليوم نفسه، أي بعد 12 ساعة على الأقل من سقوط الطائرة.

والأكثر إثارة للاهتمام هو أنه أشار أيضًا إلى أن الرئيس "حسن روحاني" علم بالحقيقة في 10 يناير/كانون الثاني، أي بعد حوالي يومين ونصف يوم من الحادث.

باختصار، كانت القصة بمثابة تبرئة للمرشد الأعلى، وإدارة "روحاني"، مع إلقاء اللوم على "الحرس الثوري" والقادة العسكريين الكبار في البلاد.

وادعت صحيفة "نيويورك تايمز" كذلك، أن الرئيس "روحاني" هدد بالاستقالة إذا لم يحدث اعتراف، ما يشير إلى أنه بدون المعتدلين في السلطة، كان المتشددون سيفرضون إرادتهم، وكانت الجمهورية الإسلامية لتفلت بفعلتها الخادعة واسعة النطاق.

جرى الترويج لهذه الرواية على نطاق واسع على أنها النسخة الحقيقية للأحداث، لدرجة أن بعض السياسيين ذوي العقلية الإصلاحية في طهران والمنتقدين الصاخبين اعتبروها مؤشرًا على وجود رئيس معتدل وغير متشدد في السلطة.

وبالتالي، فقد شجعوا على المشاركة الجماهيرية الواسعة في التصويت البرلماني في فبراير/شباط، على الرغم من فقدان الشعب للثقة والاهتمام بشكل غير مسبوق قبل أسابيع من التصويت فقط.

وجاء فقدان الثقة في العملية الانتخابية بعد قمع الدولة الدامي لاحتجاجات الوقود في نوفمبر/تشرين الثاني، والإسقاط العرضي للطائرة الأوكرانية، وأخيراً استبعاد مجلس صيانة الدستور (وهو الهيئة الرقابية الدستورية الإيرانية) لمعارضي النظام بشكل ممنهج من الانتخابات.

أخطاء التحليل الاستخباراتي

بينما تحتوي مقالة "النيويورك تايمز" على بعض التفاصيل المهمة للغاية، خاصة حول علم النفس السياسي لعملية صنع القرار داخل القيادة العسكرية العليا للجمهورية الإسلامية، لكنها احتوت خطأين فادحين في التحليل الاستخباراتي من حيث المعقولية والدقة.

أولاً، من غير المعقول ومن غير المرجح أن يبقى المرشد الإيراني بلا معلومات حول قضية ذات أهمية للأمن القومي مثل إسقاط طائرة ركاب لمدة نصف يوم، ببساطة، لا تسير الأمور هكذا في الأجهزة الأمنية والعسكرية للجمهورية الإسلامية.

وبصفته القائد الأعلى لجميع القوات، فهو أول من يتم إطلاعه على شؤون الدولة في التسلسل الهرمي السياسي، وفي واقع الأمر، فإن مستشاريه الموثوق بهم؛ "علي أصغر حجازي" و"وحيد حقانيان"، وهما مسؤول الشؤون السياسية، ومسؤول قسم الأمن في مكتب المرشد الأعلى، يحرصان على ذلك.

على عكس ادعاء صحيفة "نيويورك تايمز"، علم "خامنئي" على الأرجح بالسبب الحقيقي لسقوط الطائرة (الخطأ البشري) في نفس وقت معرفة الجنرال "أمير علي حجي زاده"، أو بعده بفترة وجيزة.

وكان الجنرال "حجي زاده"، وهو رئيس فرقة الفضاء في الحرس الثوري، في غرب إيران يشرف على الهجمات الصاروخية الانتقامية ضد القواعد الأمريكية في العراق في ذلك الوقت.

ثانياً، من غير المعقول ومن غير المرجح أن يعلم الرئيس "روحاني" بحقيقة الإسقاط بعد يومين ونصف يوم، عندما أبلغه كبار القادة العسكريين، كما أشارت صحيفة "نيويورك تايمز".

بصفته الرئيس الرسمي لـ"المجلس الأعلى للأمن القومي" في إيران، يعتبر "روحاني" أكثر رئيس إيراني إلمامًا بالشؤون الأمنية منذ ثورة 1979.

ولا يمكن تصديق تجاهل "روحاني" بالنظر إلى سجله الطويل في الأدوار الأمنية والعسكرية، بما في ذلك العمل كقائد لقوات الدفاع الجوي الإيرانية من 1986 إلى 1991، وعلاقاته الواسعة داخل جهاز الاستخبارات نتيجة لذلك.

من الأرجح أن الرئيس "روحاني" علم بالخطأ البشري في نفس اليوم الذي حدث فيه بالضبط، أي يوم الأربعاء 8 يناير/كانون الثاني الماضي.

ربما لم يرغب ببساطة أن يتخذ موقفًا لوحده، بدون موافقة قادة الحرس الثوري أو "خامنئي"، لأن القيادة أو المؤسسة لم تكن قد توصلت بعد إلى توافق في الآراء بشأن كيفية تقديم وإدارة الأزمة.

مزيد من الأدلة الداحضة

بغض النظر عن عدم معقولية واتساق هذه المعلومات الاستخباراتية، فإن رواية "نيويورك تايمز" حول التستر على إسقاط الطائرة تم تقويضها بشدة في وقت لاحق من خلال اثنين من الأدلة التي لا يمكن دحضها.

ففي أوائل شهر فبراير/شباط الجاري، أشار تسجيل صوتي مسرب لحوار بين طيار طائرة مجاورة، كانت الطائرة المنكوبة على مرأى بصرها، ومراقب حركة المرور الجوي في مطار "الخميني" في طهران إلى أن السلطات العليا لم تكن الوحيدة التي عرفت بالحادث من الساعات الأولى، ولكن حتى ضباط المطار من ذوي الرتب المنخفضة والطيارين المدنيين كانوا على علم به كذلك.

بمعنى آخر، أصبحت الحقيقة معروفة للكثيرين من البداية.

حسب التسجيل الصوتي؛ يشير الطيار القريب إلى "توهجات في الطريق، كما لو كانت من صاروخ" في محادثاته مع مشغل برج المراقبة وهو يستعد للهبوط.

ويسأل الطيار: "هل يجب أن يحدث شيء مثل هذا هناك؟"، فيجيبه المراقب: "لم نكن على علم بذلك"، ثم يستفسر أكثر متسائلًا: "كيف يبدو هذا الضوء؟"، فيرد الطيار: "هذا بالتأكيد ضوء صاروخ".

أحد الاحتمالات في هذه الحالة هو أن التسجيل الصوتي جرى تسريبه من قبل "الحرس الثوري"، أو بمباركته، من أجل نسف السردية الموالية لـ"روحاني" والمناهضة للحرس الثوري حول التستر، بالرغم أن مسؤولي إدارة "روحاني" ألقوا باللوم على الحكومة الأوكرانية لانتهاكها السرية وتعهدوا بعدم تبادل مثل هذه المعلومات معها بعد الآن.

علاوة على ذلك، ففي مؤتمر صحفي في 16 فبراير/شباط الجاري، أشاد "روحاني" باعتراف الحرس الثوري العلني بالذنب، ما يعني ضمناً أن إدارته كانت تعرف ما حدث بالفعل قبل ما ذكرته سردية "نيويورك تايمز" بكثير.

وقال "روحاني": "كانت لدينا شكوك يوم الخميس (9 يناير/كانون الثاني، أيّ بعد يوم واحد من الإسقاط)، أعتقد أن عملية الإعلان كان من الممكن تسريعها بواسطة الحرس الثوري، لكن لم تكن هناك نية في إخفاء الحقيقة".

ووصف الرئيس الإيراني الحادث والتستر الذي تلا ذلك بأنه "خطأ حدث مرة وحيدة"، مؤكدًا أنه "يجب ألا ندع هذه الحوادث تلحق الضرر بتماسكنا".

المصدر | ميسم بيهرافيش | إنسايد ارابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد