الاثنين 24 فبراير 2020 05:34 م

برغم عدم الثقة العامة في وكالات الاستخبارات الأمريكية، التي أبلغت الرئيس "جورج دبليو بوش" بأنها ستكون قادرة على تقديم قضية قطعية الدلائل للجمهور الأمريكي تثبت أن الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين" كان يملك أسلحة دمار شامل، وأنه كان مسؤولا عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أصدر السيناتور "بيرني ساندرز"، أحد المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، بيانا علنيا، قال فيه: "على عكس دونالد ترامب، لا أعتبر فلاديمير بوتين صديقا جيدا. إنه سفاح استبدادي يحاول تدمير الديمقراطية وسحق المعارضة في روسيا".

وبغض النظر عما إذا كان "ساندرز" يعتقد فعلا أن "بوتين" سفاح استبدادي، فإن قوله هذا كان ضروريا في سياق الدعاية ضد "بوتين" في وسائل الإعلام ومن وكالات الاستخبارات الأمريكية، وهي الجهات التي تمت السيطرة عليها لعقود من قبل المليارديرات الأمريكيين، الذين يشعرون بالرعب الآن من أن "ساندرز" قد يصبح رئيسا بالفعل، ويعمل وكلاؤهم وعملاؤهم بالفعل على تشويه سمعته. 

ويعد هؤلاء المئات من أصحاب المليارات في أمريكا هم الدولة العميقة في أمريكا، وهؤلاء المئات هم الأشخاص الوحيدون الذين تمثلهم في الواقع وسائل الإعلام والحكومة الأمريكية.

وهذا هو السبب في أننا قمنا بغزو واحتلال العراق وتدميره، وكان كل ذلك مبنيا على أساس من الأكاذيب.

وهذا هو السبب في أننا قمنا بغزو ليبيا وتدميرها، وكان ذلك أيضا مبنيا على أساس من الأكاذيب.

وهذا هو السبب في أننا سمحنا لـ"القاعدة" في سوريا بقيادة مئات الجماعات الجهادية التي تحاول منذ ذلك الحين الإطاحة بالرئيس السوري "العلماني غير الطائفي"، "بشار الأسد".

ولم تتمتع أي من جبهات المليارديرات الأمريكيين، لا وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ولا غيرها، بالشفافية، لكنها جميعا أخفت جميع هذه الحقائق وكل الأحداث التاريخية المهمة حقا خلال الـ20 عاما الماضية، التي تشكل العالم الذي نعيش جميعا فيه الآن.

لقد ثبت أن الديمقراطية في أمريكا مستحيلة في ظل هذه الظروف.

وفي عام 2002، كان "ساندرز" صاخبا في رفض السماح لـ"جورج دبليو بوش" بغزو العراق، ومع ذلك، لم يتم تدمير مكانته في الكونجرس بسبب هذا الفعل "غير الوطني" ظاهريا، الذي ثبت أنه كان وطنيا شجاعا بالفعل.

ولكن في بيئة اليوم، فإن أي عضو في الكونجرس يفشل في تشويه صورة "فلاديمير بوتين" هو "غير الوطني"، كما لو أن الحرب الباردة التي أنهتها روسيا عام 1991 استمرت سرا من جانب أمريكا منذ ذلك الحين.

ويعارض المليارديرات الأمريكيون إنهاء الحرب الباردة أكثر من معارضتهم لزيادة الضرائب على الأثرياء، وخلال الخمسينات من القرن الماضي، قبل الأثرياء معدلا ضريبيا هامشيا بنسبة 90%، وسوف يقبلون مثل ذلك الآن، لكنهم لن يقبلوا، تحت أي ظرف من الظروف، إنهاء السعي الأمريكي لاستبدال الأمم المتحدة كأساس للقانون والنظام الدوليين.

وهم يدعون أن الحكومة الأمريكية، التي يسيطرون عليها، يجب أن تسيطر على العالم بأسره، بما في ذلك روسيا، وهذا ضروري لإمبراطوريتهم العالمية الشاملة، أو ما يمكن أن نسميه الديكتاتورية العالمية التي تقودها الشركات الأمريكية الدولية.

وهذا هو الاعتقاد الجوهري للدولة العميقة، ولن تستطيع رئاسة "ساندرز" النجاح ما لم ينه سيطرة المليارديرات الأمريكيين على الحكومة الأمريكية، والدولة العميقة هنا تساوي تماما المليارديرات الأمريكيين، أو السيطرة التي يسيطرونها على الحكومة الأمريكية.

وفقط من خلال وضع حد لتلك السيطرة، سيتم وضع نهاية للدولة العميقة في أمريكا.

ويعد "ساندرز" المرشح الرئاسي الأمريكي الوحيد القادر على تهديد سيطرة المليارديرات، ولن يتمكن من النجاح سوى بتدمير الدولة العميقة وسيطرتها على الحكومة ووسائل الإعلام.

وتعد هذه حربا داخلية في الولايات المتحدة، لا تقتصر الآن بين الدولة العميقة و"دونالد ترامب" على اليمين، (والذي يلبي مطالبهم باستمرار)، ولكن أيضا مع "بيرني ساندرز" على اليسار، الذي لم يكن في وضع يسمح له حقا بتحدي سيطرة تلك الدولة العميقة على أمريكا.

لذلك، كيف يمكن لـ "ساندرز" القيام بذلك إذا أصبح رئيسا؟ حسنًا، لابد أن يحارب بكل قوة، وأن يكون مستعدا للتضحية حتى بنفسه، إذا لزم الأمر، لتدمير سيطرتهم على أمريكا.

ببساطة، فإن ما قاله "ترامب" عن نفسه من قبل هو الطريقة الوحيدة التي قد تكون صالحة للقيام بذلك. "تحرك بإخلاص وعزم، ركز على القضية، كن شجاعا، ولا تتراجع أبدا".

وفي الوقت الحالي، تستأثر أمريكا بنحو نصف النفقات العسكرية في العالم بأسره، ولا يمكن أن يستمر ذلك إذا أرادت الولايات المتحدة معالجة مشاكلها الحقيقية، ولن ترضخ تلك الشركات، مثل شركة "لوكهيد مارتن"، دون أن تكون هناك الآن ثورة أمريكية ثانية، ثورة تحكم كامل البلاد.

ويجب أن تكون ثورة شاملة تكتسب السيطرة على كل شيء، ليس فقط على "وول ستريت"، وليس فقط على صناديق التحوط، وليس فقط على صناديق الأسهم الخاصة، وليس فقط على نظام الرعاية الصحية، وليس فقط على الجامعات، ولا يمكن أن يقتصر الأمر على المؤسسات الخاصة وغيرها من "المؤسسات غير الربحية".

ويجب أن يتم تخصيص كل هذه المليارات للقرارات المتعلقة بما يجب القيام به من أجل مصلحة البلد بأسرها، فلماذا يحصل المليارديرات على إعفاءات ضريبية لتمويل "المنظمات غير الربحية"، التي في الحقيقة توسع سلطتهم الخاصة، ليس فقط على التجارة، ولكن أيضا على الأولويات الوطنية والحكومة نفسها؟ إنه فساد عميق جدا، ومنتشر جدا.

وفي الوقت الحالي، يركز الفساد على السيطرة على تعيين الممثلين الرئيسيين للحزب الديمقراطي، (بدلا من العمل على ملف الناخبين)، للتأثير في اختيار من سيكون مرشح الحزب لمنصب الرئاسة.

المصدر | إريك زيوس | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد