الأربعاء 26 فبراير 2020 12:28 م

أذهلت الثورة المصرية في عام 2011، العالم بحجمها وتنظيمها والتضامن معها، وكانت المطالب الشعبية التي رددها الشعب المصري حينها هي "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية".

وكانت هذه المطالب الثلاثة، التي رددها المحتجون في بلدان الربيع العربي الأخرى أيضا، بعيدة عن التحقق في مصر اليوم، بعد 9 سنوات من هذه اللحظة الرائعة.

في الحقيقة، من الإنصاف القول إن هذه المطالب أقل قابلية للتحقق اليوم مما كانت عليه في عهد الديكتاتور المصري المخلوع "حسني مبارك".

خنق الحريات وتوسيع الفجوة الاجتماعية والاقتصادية

من الناحية السياسية، هناك درجة غير مسبوقة من تآكل الحريات في المشهد السياسي والإعلامي في مصر حيث نتج عن القمع الشديد ضد المعارضة السياسية اعتقال عشرات الآلاف من الناشطين السياسيين منذ عام 2013، بما في ذلك العديد من الصحفيين والمدونين والناشطين، بالإضافة إلى أولئك الذين اختفوا قسرا أو أُعدموا.

في الواقع، تشير هذه التطورات إلى تدهور حاد في سجل حقوق الإنسان في البلاد، إن الخنق غير المسبوق للإعلام وحرية التعبير، يعني أن معظم وسائل الإعلام قد حرمت من استقلالها الذاتي، وأصبحت آلات دعاية للنظام الحاكم.

يتضح هذا من خلال حادثة "فضيحة سامسونج" الشهيرة عندما قرأت مذيعة تليفزيونية مصرية بيانًا رسميًا يتكون من 42 كلمة نشرته جميع وسائل الإعلام الوطنية ويبرئ في مضمونه الحكومة من أي مسؤولية عن وفاة الرئيس الراحل "محمد مرسي"، تليه العبارة "تم الإرسال من جهاز سامسونج"!

من الناحية الاقتصادية تضاعفت ديون مصر الخارجية 3 مرات خلال السنوات القليلة الماضية، هناك تباين كبير بين أسعار السلع ومتوسط الرواتب الشهرية، فيما تم تخفيض قيمة العملة المصرية بعد السياسات التي فرضها صندوق النقد الدولي، ومع الفساد الحكومي، الذي يؤدي إلى إهدار الموارد العامة، أصبح من الواضح أن المصري العادي لديه العديد من المظالم الاقتصادية الخطيرة.

من الناحية الاجتماعية، اتسعت الفجوة بين أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم، ففي حين أن نسبة ضئيلة من النخب المصرية تعيش في مجتمعات فخمة راقية وتتمتع بمنتجعات صيفية وشتوية بنفس القدر من الفخامة، فإن معظم المصريين يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم.

وتتضح هذه الفجوة الاجتماعية أيضًا بشكل صارخ بين المناطق الحضرية الغنية التي تتلقى نصيب الأسد من الفوائد من حيث البنية التحتية والخدمات والمرافق، والأحياء الحضرية ذات الدخل المنخفض والمناطق النائية والريفية، ويعاني الأخيرون أكثر من غيرهم من أضرار الفقر والأمية والمرض ويفتقرون إلى الخدمات والموارد الأساسية.

تركت هذه المصاعب والتحديات المتصاعدة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، الكثير من المصريين يتوقون إلى أيام عهد "مبارك" والندم على الإطاحة به، ومع ذلك، هناك العديد من العقبات الخطيرة التي تعوق أي شكل من أشكال التعبئة الشعبية والمقاومة النشطة في مصر في الوقت الحاضر.

تعتبر أهم هذه العقبات هي منحنى التجربة المتراكمة للنظام، عندما ثار المصريون في عام 2011، فوجئ نظام "مبارك" حيث لم يكن يتوقع ثورة بهذا الكم من الغضب العام، وفي الواقع، لم يأخذ الأمر على محمل الجد، كما يتضح من تعليق الرئيس الساخر الشهير حول المحتجين في ميدان التحرير، "خليهم يتسلوا".

وبالمثل، لم تتوقع الحكومة بالتأكيد الدهاء التكنولوجي للناشطين الشباب الذين استخدموا مواقع التواصل الاجتماعي بفعالية للتواصل والتنظيم والتعبئة، تسبب هذا في حالة من الذعر للنظام، الذي استخدم تقنيات غير فعالة، أو حتى ذات نتائج عكسية، مثل إغلاق الإنترنت لمدة أسبوع كامل، والتي كلفت البلاد خسائر اقتصادية هائلة بل وجاءت بنتيجة معاكسة عن طريق تأجيج التوجه للشوارع والاحتجاجات.

سياسة القبضة الحديدية

حرص الرئيس "عبدالفتاح السيسي" من خلال تعهده أن "ما حدث قبل 7 أو 8 سنوات لن يتكرر مرة أخرى في مصر"، على التأكد من أن حكومته وقوات الأمن على استعداد تام لاتخاذ خطوات وقائية للقضاء على احتمال أي اندلاع مماثل للاحتجاجات العامة.

يجري نشر قوات الأمن المدججة بالسلاح والعربات المدرعة في مواقع استراتيجية في الميادين والمدن الرئيسية وخاصة ميدان التحرير الذي يحمل رمزية خاصة، في رسالة مخيفة إلى أي شخص قد يفكر في الاحتجاج.

كانت سياسة القبضة الحديدية الجديدة لمنع الاحتجاج، أكثر وضوحًا عندما استخدم المعارض المصري، "محمد علي"، البالغ من العمر 45 عامًا وهو ممثل ومقاول ورجل أعمال، منصات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به من منفاه في إسبانيا لفضح فساد الحكومة ودعوة المصريين للخروج في الشوارع والاحتجاج.

استجابة لدعوته، في 20 سبتمبر/أيلول 2019، اندلعت احتجاجات متقطعة في أجزاء مختلفة من مصر، معظمها في الأحياء الفقيرة وبعض المناطق الريفية التي تعاني من مظالم اقتصادية شديدة ولديها عدد أقل من قوات الأمن المنتشرة في الشارع.

بالرغم من أن هذه الاحتجاجات وصفت من بعض المواقع الإعلامية الغربية على أنها نادرة وصادمة، بسبب درجة القمع المرتفعة التي تشهدها البلاد، وبالتالي تعتبر علامة إيجابية على أن المصريين يكسرون حاجز الخوف، لكنها لم تصل إلى المستوى المتوقع الكبير لاحتجاجات واسعة النطاق كان "علي" يدعو لها.

ولعل الأهم من ذلك أن الحكومة بدأت حملة قمع أمنية واسعة النطاق وشنت موجة كبيرة من الاعتقالات الجماعية قبل وأثناء وبعد تاريخ الاحتجاج المقترح.

كان هناك من بين أكثر من 2300 شخص تم إلقاء القبض عليهم شخصيات سياسية بارزة وزعماء معارضة وناشطون وصحفيون ومدونون، بالإضافة إلى المواطنين العاديين، كما قامت قوات الأمن بتفتيش الأشخاص بشكل فردي في الشوارع، وطلبت رؤية هواتفهم المحمولة، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى وقف النشاط ليس فقط في الشارع ولكن أيضًا عبر الإنترنت.

بعد ما حدث في سبتمبر/أيلول 2019، تولدت درجة أعلى من الخوف بين أوساط الشعب المصري، وأدى ذلك إلى غياب تام لأي شكل من أشكال الاحتجاج العام على الأرض، استجابة لدعوة "علي" الجديدة لإطلاق احتجاجات حاشدة في 25 يناير/كانون الثاني 2020، الذي يصادف الذكرى التاسعة لثورة 2011.

ومن المثير للاهتمام أن البيئة السياسية الخانقة لها ما يبررها في كل من وسائل الإعلام التي تهيمن عليها الدولة وأجهزة الأمن التي تسيطر على المحتوى كمحاولة لـ"حماية السلامة العامة، وضمان الاستقرار، وفرض النظام العام في البلاد"، كما يتم تشديد الأمن والسيطرة على وسائل الإعلام الحكومية لإظهار صورة "السيسي" كحام ومخلّص للبلاد وكشخص ليس له معارضة شرعية، ومما ساعد على ذلك إعادة فرض حالة الطوارئ المتكررة وإعادة تعديل الدستور لمنح "السيسي" فترة ولاية غير محدودة.

من الذي سيقوم الآن بتعبئة الشارع؟

يعد أحد العواقب الوخيمة لهذه الساحة السياسية الخانقة، غياب قادة وناشطي الرأي العام الذين يمكنهم تعبئة الشارع المصري بفعالية من خلال الاحتجاجات والنشاط على الإنترنت والشبكات الرقمية، كما شهدنا سابقًا في الثورة المصرية عام 2011.

كانت بعض الأوصاف الشائعة لثورة 2011 تعتبرها "ثورة بلا قيادة"، وهو مصطلح يقزّم نشاط وبطولة وشجاعة الشباب الذين كانوا وراء نجاحها، في حين أن العديد منهم يفتقرون إلى الرؤية الاستراتيجية والخبرة السياسية لقيادة "مصر ما بعد مبارك" في اتجاه آمن، بعيدًا عن الطموحات السياسية لكل من "الإخوان المسلمون" والجيش، لكن الكثير منهم تصرفوا كمهندسين وراء الكواليس لهذه الثورة، سواء على الإنترنت أو في الشارع.

اليوم، يتم قتل العديد من هؤلاء الناشطين الشباب، أو سجنهم ، أو نفيهم، أو إيصالهم لحالة من اليأس.

تضمنت الحملة ضد بعض الناشطين الشباب اعتقال قادة المعارضة البارزين مثل الناشط والمدون "علاء عبدالفتاح"، والمحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان "ماهينور المصري"، والناشطة البارزة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان المدونة "إسراء عبدالفتاح".

كان هذا بالإضافة إلى اعتقال شخصيات عامة رفيعة المستوى من بين الأوساط العسكرية والدبلوماسية والسياسية، مثل الفريق "سامي عنان"، والسفير السابق "معصوم مرزوق"، والمرشح الرئاسي السابق "عبدالمنعم أبو الفتوح"، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وتترك مثل هذه الإجراءات فراغًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بتنظيم احتجاجات شعبية جديدة.

يعتبر أحد العوامل المهمة التي تسهم في فراغ القيادة، على الأقل من المنظور التنظيمي، هو غياب جماعة "الإخوان المسلمون"، اجتماعيًا وسياسيًا.

يعترف المؤيدون والمعارضون على حد سواء بأن المجموعة الوحيدة التي لها جمهور كبير ولديها القدرة على حشد أكثر من مليون شخص وإخراجهم إلى الشارع كانت جماعة "الإخوان المسلمون".

مع مقتل العديد من أعضائها أو اعتقالهم أو نفيهم، ومع الحملات الإعلامية التي نظمتها الدولة، يتم تشويه صورة "الإخوان المسلمون" من خلال وصفها بأنها منظمة إرهابية محظورة ووصم أعضائها بأنهم إرهابيون أو خونة.

لا يمكن ملء الفراغ الحالي في التعبئة العامة من قبل الناشطين في المنفى الذين ليس لهم قدرة على إحداث تأثير على شرائح المجتمع الأوسع في مصر، لا يزال العديد من المصريين يعانون من الأمية الأبجدية ناهيك عن الرقمية ويتساءل البعض عن مدى جدية وصدق الدعوات للاحتجاج عندما تأتي من الخارج ويكون مطلقوها في مأمن من مواجهة العواقب الوخيمة لبلد ذي قبضة أمنية قوية.

قد يكون هذا أحد الأسباب الكامنة وراء رد الفعل المحدود على الدعوات عبر الإنترنت التي دعا لها "محمد علي" من منفاه في إسبانيا، إلى جانب افتقاره إلى الخبرة السياسية وإلى حقيقة أن كثيرين ينظرون إليه كجزء من المؤسسة التي يدعو للثورة عليها، في إشارة إلى حقيقة أنه عمل سابقا مع الجيش لأكثر من 15 عامًا وجمع ثروة ضخمة نتيجة تعاملاته التجارية.

حركة المعارضة إلى أين؟

إن الطريقة الوحيدة لملء الفراغ الحالي هي خلق حركة معارضة فعالة ومنظمة تدار بشكل جيد، في الداخل والخارج وتكون عابرة للخلافات الأيديولوجية والانقسامات السياسية.

ومع ذلك، فإن غياب أصغر هامش من التسامح مع المعارضة ومشاركتها العامة في الحياة السياسية يعيق جهود إنشاء مثل هذه الحركات، ما يؤدي إلى غياب المتطلبات الأساسية للديمقراطية والمشاركة المدنية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستقطاب والتفتت السياسي الحالي، والذي تغذيه وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، هو في حد ذاته سبب ونتيجة لغياب المقاومة النشطة والتعبئة الفعالة على أرض الواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

والنتيجة النهائية هي وجود بيئة سياسية وإعلامية خانقة تمامًا لا تسمح حتى بأصغر هامش حرية للتنفيس عن غضب المصريين وتظلماتهم بدلاً من اللجوء إلى التمرد، وهذه هي الإستراتيجية التي استخدمها بشكل فعال القادة السابقون، مثل الرئيسين السابقين "أنور السادات" و"حسني مبارك"، لإطالة أمد حكمهم الاستبدادي.

بالرغم من أن الاستراتيجية الحالية للنظام قد تؤدي في النهاية إلى اندلاع موجة جديدة من الغضب العام على المدى الطويل، والتي لا يزال شكلها وشدتها وتوقيتها غير مؤكد، لكن هذا الوضع يقمع بشكل فعال أي إمكانية للاحتجاج والتعبئة العامة في المدى القصير.

هل يؤدي شد الحبل بين النظام المصري الحالي وخصومه إلى تبني النظام تدابير أشد لمواصلة قمع المعارضة، على الأقل في الوقت الحالي؟

هل سيجد المصريون طرقًا أخرى للتنظيم والتعبئة بخلاف خيار الاحتجاج في الشوارع، مثل العصيان المدني و/أو مقاطعة السلع والخدمات الأساسية؟

يبقى أن ننتظر ونرى لنحكم ولكن حتى ذلك الحين، من المرجح أن تستمر معضلات ومفارقات مصر وربما تنمو وتصبح أكثر ترسخًا.

المصدر | سحر خميس | المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد