الخميس 27 فبراير 2020 11:35 ص

أهداف سياسية وإستراتيجية واقتصادية تصدرت أجندة الجولة التي قام بها أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد"، الأسبوع الجاري، وشملت على الترتيب كلا من الأردن وتونس والجزائر.

وتزامنت جولة "تميم" مع ترتيبات تجري في المنطقة لتمرير خطة السلام الأمريكية المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، وتأزم الوضع في ليبيا وسوريا، إضافة إلى ملفات ثنائية بين الدوحة والعواصم الثلاثة كل على حدة.

وحظيت زيارة أمير قطر بترحيب رسمي وشعبي واسع، لا شك أنه سينعكس مستقبلا على تطور علاقات الدوحة مع الدول التي شملتها الزيارة، والتي هدفت بشكل رئيسي لتنسيق المواقف بشأن عدد من قضايا المنطقة، وكسر غلاف العزلة الدبلوماسية الذي تسعى دول الحصار لفرضه على الدوحة منذ منتصف يونيو/حزيران 2017.

  • القمة العربية

لم يأت اختيار الجزائر كمحطة ثالثة وأخيرة لجولة "تميم" من فراغ، وسط استعدادات تجري لترتيب الأوراق قبيل انعقاد القمة العربية هناك، في مارس/آذار المقبل.

ويتجه الرئيس الجزائري الجديد "عبدالمجيد تبون"، الذي أنعش دبلوماسية بلاده، إلى زيارة السعودية؛ بعد يوم من زيارة "تميم"؛ لبحث جدول القمة المرتقبة، وربما لعب دور الوساطة لحلحلة الأزمة الخليجية.

ويسعى "تبون" لاستعادة الدور الجزائري الفاعل على الساحة العربية، من البوابة القطرية السعودية، وسط رغبة لإنجاز مصالحة عربية، وإنهاء أزمة حصار قطر.

ومن المتوقع أن يحمل الرئيس الجزائري مبادرة أو مقترح إلى السعودية لإنهاء الأزمة مع قطر، وتنقية الأجواء، بما يسمح بموقف عربي قوي، يكون قادرا على إنجاز تسوية سياسية في ليبيا وسوريا واليمن.

وعبر "تبون" عن ذلك صراحة، حينما صرح في مقابلة صحفية قبل أيام قائلا: "الشعب الجزائري عندما يقوم بعمل إنساني ويتوسط فهو لا يريد مقابل"، مضيفا: "لا ننتظر المقابل لا من الشقيقة قطر، ولا من الشقيقة السعودية ولا من الشقيقة الإمارات ولا من الشقيقة مصر (وكلها من دول حصار قطر) ولا من دول أخرى".

  • الأزمة الليبية

ويمكن القول أن الملف الليبي كان حاضرا بقوة على رأس أجندة "تميم"، الذي تدعم بلاده حكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا)، وهو الموقف الذي يتناغم مع الجزائر، التي أعلنت في وقت سابق، أن "طرابلس خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، في إشارة لرفض العملية العسكرية التي يقودها الجنرال "خليفة حفتر" المدعوم من السعودية والإمارات ومصر.

كانت زيارة "تميم" إذن محاولة لتقريب وجهات النظر بين الدوحة والجزائر بشأن ليبيا، وربما التوصل إلى خطة عمل أو خارطة طريق لتنظيم مؤتمر حوار "ليبي-ليبي" يجمع طرفي الأزمة، في محاولة لوقف القتال حول طرابلس الدائر منذ أبريل/نيسان الماضي، وتحجيم التهديدات التي تمثلها الأزمة في ليبيا على الوضع في تونس والجزائر.

وكان وزير الخارجية الجزائري "صبري بوقادوم" نقل مبادرة، الشهر الماضي، إلى السعودية والإمارات تتعلق بدعم مسار التسوية السياسية في ليبيا، وضرورة منع تدفق السلاح إلى ليبيا، ورفض التدخل الأجنبي هناك، وهي بنود تحظى بدعم تونس وقطر فيما يبدو.

ويمكن القول إن زيارة "تميم" ربما نجحت في بلورة موقف قطري جزائري تونسي مشترك لدعم خيار التسوية في ليبيا بعيدا عن استمرار الحرب، بما يحول دون تمزيق البلد العربي الغني بالنفط.

  • صفقة القرن

ويعد الأردن، الذي كان المحطة الأولى في جولة أمير قطر، أحد أبرز المعنيين بتداعيات بـ"صفقة القرن"، مع كونها أحد أهم المتضريين من إسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة (يستضيف الأردن نحو 4.4 ملايين فلسطيني).

وتحصر "صفقة القرن"، اللاجئين الفلسطينيين في 3 خيارات ضيقة؛ أولا البقاء في الدولة المستضيفة وتجنيسهم، وثانيا العودة إلى الدولة الفلسطينية عند قيامها بموافقة إسرائيلية، وثالثا ترحيلهم إلى بلد ثالث من البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، ضمن آلية محدد، وبحد أقصى خمسين ألف لاجئ على مدار 10 سنوات.

ويبدو أن المفاوض الأردني كان بحاجة إلى دعم سياسي إقليمي، ووجد بغيته في زيارة أمير قطر؛ لتعزيز موقفه الرافض لـ"صفقة القرن"، وإسقاط الوصاية الأردنية الهاشمية التاريخية على المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة.

في المقابل، كانت الدوحة في حاجة إلى تعزيز علاقاتها مع عمان؛ لتجاوز الفتور الذي أصاب علاقات الطرفين، إثر خفض الأردن تمثيلها الدبلوماسي في قطر تحت وطأة ضغوط من رباعي الحصار العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، قبل أن تستأنف العلاقات مجددا في يوليو/تموز الماضي.

  • علاقات اقتصادية

 لم تغب الأبعاد الاقتصادية أيضا عن زيارة "تميم"، التي قدمت دعما سخيا للأردن وتونس، وانتهت بتوقيع صندوق الصداقة القطري التونسي 5 اتفاقيات شراكة جديدة بالتعاون مع مؤسسات بنكية ومالية في تونس، فضلا عن توفير الآلاف من فرص العمل للعمالة التونسية في قطر.

ويعد تونس، البلد المغاربي الأكثر حاجة إلى تقوية العلاقات مع قطر؛ حيث قدم "تميم" في آخر زيارة له لتونس عام 2016 مساعدات مالية لدعم الاقتصاد التونسي، بقيمة 1.25 مليار دولار.

وتحتل قطر المرتبة الثانية عالميا في حجم الاستثمارات المباشرة في تونس، بواقع 16%؛ حيث تبلغ قيمة الاستثمارات القطرية في تونس حوالي مليار دولار ساهمت في إيجاد 120 ألف فرصة عمل.

وتفيد تقديرات أردنية غير رسمية بأن قطر وصناديقها ستدعم استثماراتها الحالية في المملكة الهاشمية بمبلغ قد يصل إلى ملياري دولار على الأقل، بالتزامن مع تفعيل التعاون الثنائي خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

وتحتل قطر المرتبة الثالثة من حيث حجم الاستثمارات في الأردن، الذي يقدر بنحو ملياري دولار، وفق بيانات رسمية أردنية للعام 2018.

وتعد قطر والجزائر من أكبر منتجي ومصدري الغاز في العالم، ومنذ سنوات تستثمر الدوحة بواسطة مجموعة "قطر ستيل" في إنشاء مصنع للحديد والصلب شرقي الجزائر بطاقة إنتاج 4.2 ملايين طن سنويا وتكلفة ملياري دولار.

من كسر الحصار، إلى ترتيب أوراق القمة العربية، ومن الملف الليبي إلى صفقة القرن، وصولا إلى التعاون الاقتصادي، يمكن تلمس أهداف جولة "تميم" الأخيرة، التي نجحت فيما يبدو في تدشين علاقات جديدة مع رئيسين منتخبين، واحتواء دولة كانت داعمة في السابق للحصار الرباعي، وكسب المزيد من التضامن مع مواقفها إزاء قضايا المنطقة.

المصدر | الخليج الجديد