الخميس 27 فبراير 2020 11:41 ص

احتشد المصريون في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981 لحضور عرض عسكري للاحتفال بذكرى نجاح جيشهم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء خلال حرب 1973.

ومع ذلك، لم يكن جميع المصريين سعداء بالسياسة الخارجية للرئيس "أنور السادات"، خاصة بعد القرار المثير للجدل بجعل مصر أول دولة عربية تطبع العلاقات مع (إسرائيل).

ولذا تعرض "السادات"، للاغتيال على يد "خالد الإسلامبولي" وهو إسلامي كان يعمل برتبة ملازم في الجيش حينها.

تم إعدام "الإسلامبولي" في أبريل/نيسان 1982، ومع ذلك، أصبح بطلاً بين قطاعات معينة في الشرق الأوسط اشتركت مع أفكاره ضد "السادات".

كان الزعيم الإيراني "الخميني" أحد أقوى مؤيدي "الإسلامبولي"، وتفاخرت الجمهورية الإسلامية بتسمية شارع في طهران باسمه، وهي خطوة أثرت سلبا على العلاقات المصرية الإيرانية أكثر في أعقاب طرد "الشاه" الذي كان أحد أعز أصدقاء "السادات".

بعث اغتيال "السادات" برسالة إلى جميع الزعماء العرب حول مخاطر قبول (إسرائيل) في الساحة الدبلوماسية في المنطقة، وفتح ذلك طريق "حسني مبارك" إلى السلطة ليستمر في الحكم لمدة 30 عامًا تقريبًا حتى الربيع العربي في عام 2011.

نجح "مبارك" في استعادة الروابط الدبلوماسية بين مصر وقائمة طويلة من الدول العربية قطعت العلاقات مع القاهرة بسبب قرارها التخلي عن الكفاح العربي ضد العدو الصهيوني.

وأثناء وجوده في السلطة، أمّن "مبارك" لمصر مستويات عالية من المساعدات الخارجية من واشنطن، التي رحبت سابقًا بقرار "السادات" بعقد اتفاقية السلام مع (إسرائيل)، وكذلك بقرار "مبارك" الحفاظ على الاتفاقية بالرغم من معارضة معظم المصريين لعلاقة حكومتهم مع تل أبيب.

أدخل نظام "مبارك" مصر طوال الثمانينات في فترة من التحرر السياسي أعطت بعض الفصائل الإسلامية فرصة للظهور في الحياة العامة، لكن تلك الفترة انتهت بقمع صارم ضد الإسلاميين اشتد في أعقاب محاولة اغتيال "مبارك" في عام 1995 خلال زيارته إلى العاصمة الإثيوبية.

في السنوات التي تلت ذلك، أصبحت مصر دولة بوليسية بشكل بارز تعمل فيها أجهزة الأمن دون أي ضوابط حيث تم احتجاز ما يصل إلى 30 ألف مصري على خلفية تهم الإرهاب المزعومة.

شهدت مصر خلال هذه السنوات نمواً متزايداً في عدد السكان وكان اقتصادها متعثرا، ومما لا شك فيه، أن "مبارك" نفسه لم يكن يشعر بمعاناة المصريين العاديين بسبب امتلاكه لعدة قصور وثروة بقيمة 40 مليار دولار، كما فشل "مبارك" في تلبية احتياجات معظم المواطنين المصريين في حين استفاد هو وأتباعه من ثروات مصر.

بالرغم أن العديد من المحللين رأوا "مصر مبارك" كنموذج لـ"الاستقرار السلطوي"، لكن الحياة في ظل حكومته دفعت العديد من المواطنين إلى البدء في رفض شرعية حكمه.

جاءت نقطة التحول في عام 2011 عندما دفع الغضب من حكمه إلى انضمام مصر إلى "الربيع العربي"، حيث تفاجأ خبراء الشرق الأوسط بالسرعة التي وضعت بها الثورة حداً لرئاسة "مبارك" وبشرت بعصر جديد.

توفي "مبارك" هذا الأسبوع عن عمر يناهز 91 عامًا، وكان موته بمثابة نهاية حقبة، لكن إرث "مبارك" لا يزال قائما في مصر، حيث ما زال نحو 100 مليون مواطن يعيشون تحت حكم سلطة تجاوزت نظام "مبارك" في الاستبداد.

علاوة على ذلك، عادت عدة شخصيات رئيسية في حكومة "مبارك" إلى مناصبها في السلطة بعد الانقلاب العسكري المدعوم من السعودية والإمارات في 2013، ما عكس مسار الثورة المصرية في عام 2011 بشكل أساسي.

ليس هناك من ينكر أن "مبارك" كان محبوبًا في الغرب و(إسرائيل) وبعض دول الخليج، دعمت إدارات الرؤساء "رونالد ريجان"، و"جورج دبليو بوش"، و"بيل كلينتون" حكومته بدعم اقتصادي ودبلوماسي وعسكري قوي ساعده في الحفاظ على حكمه الاستبدادي.

وأشادت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون"، بالزعيم المصري وزوجته بوصفهما "أصدقاء" لعائلة "كلينتون"، وأشاد رئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير" بـ"مبارك" باعتباره "شجاعًا للغاية وقوة من أجل الخير".

وبعد ساعات من نشر الأخبار حول وفاته، عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" عن "حزنه العميق" لوفاة "صديقه الشخصي"، وأيضا، بعد وقت قصير من وفاة الرئيس المصري السابق، قام القادة السعوديون والإماراتيون بتمجيد حياة "مبارك" وخدمته لمصر.

رأى العديد من المحللين أن استبداد "مبارك" لم يكن أبداً بنفس القدر الذي عليه الرئيس المصري الحالي "عبدالفتاح السيسي". ومع ذلك، من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن الوضع الراهن في مصر كان نتيجة مباشرة لأسلوب حكم "مبارك" الذي عاشه المصريون لمدة 30 عامًا.

إن إهمال الدولة والفساد والسلطوية والتعذيب نابع من حكم "مبارك" وأسلافه، الذين كرسوا مثل هذه الممارسات لصالح "الدولة العميقة" في مصر، كما قال "أندرو ميلر" من مشروع "الديمقراطية في الشرق الأوسط": "لم يكن السيسي ليأتي دون مبارك".

في الواقع، لم يعد "مبارك" على قيد الحياة ولكن إرثه حي في مصر والعديد من الدول العربية الأخرى، كما أن وجود "الديكتاتور المفضل" للرئيس "دونالد ترامب" في القاهرة حاليا، مع  دعم غير مشروط من واشنطن يساهم في بقاء هذا الإرث.

المصدر | جورجيو كافييرو | رسبونسبال ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد