الاثنين 2 مارس 2020 03:28 م

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، شهدت شوارع بغداد ومدن الأغلبية الشيعية جنوب العراق، حالة من الفوضى، مع احتجاجات جماهيرية كبيرة مناهضة للحكومة، وقتل أكثر من 500 محتج فضلا عن جرح أكثر من 19 ألفا.

وينفي المحتجون تلقي الدعم الأجنبي، ويعارض الكثيرون منهم دور الولايات المتحدة وإيران في العراق.

ويريد المتظاهرون عراقا موحدا، وتحفزهم المخاوف بشأن الاقتصاد والفساد الحكومي، وفي الوقت نفسه، اتهم الخصوم المتظاهرين بالتحريض على الفتنة، وحاولوا ربطهم بالولايات المتحدة و(إسرائيل).

ويمكن اعتبار محاولة ربط مجموعات المحتجين بـ (إسرائيل) بمثابة محاولة لتشويه سمعتهم في العراق.

وفي حين تستمر الولايات المتحدة في الطيران فوق العراق، كما اتضح من الغارات الجوية على "كتائب حزب الله" في ديسمبر/كانون الأول 2019، ومقتل قائد فيلق القدس "قاسم سليماني"، وزعيم "كتائب حزب الله"، "أبومهدي المهندس"، في 3 يناير/كانون الثاني، فإن اتهامات الارتباط بـ(إسرائيل) في بغداد أمر معقد.

وغالبا ما تدين وسائل الإعلام الإيرانية دور (إسرائيل) في المنطقة، وتربطها بالولايات المتحدة، وتصور الجماعات المدعومة من إيران على أنها "محور المقاومة".

ومن المهم دراسة الطرق التي تم استخدام (إسرائيل) بها في المناقشات الأخيرة في العراق لفهم كيف يسعى كل من المحتجين وخصومهم لتشويه سمعة الآخر في العراق.

ويمكن فهم تورط (إسرائيل) في العراق من خلال 3 روايات مختلفة يقودها المسؤولون العراقيون والوكلاء المدعومون من إيران.

أولا: تنفذ (إسرائيل) غارات جوية في العراق، ما أدى إلى إدانة من بغداد وزعمائها السياسيين.

ثانيا: يتم استخدام الادعاءات بأن (إسرائيل) تدعم الاحتجاجات لتصوير المحتجين على أنهم مدفوعون من قبل قوة أجنبية.

ثالثا: يتم إدانة (إسرائيل) والولايات المتحدة كجزء من حركة أوسع في العراق تدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة من العراق.

وفي شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2019، وقعت سلسلة من الانفجارات الغامضة في مخازن ذخائر وحدات الحشد الشعبي في العراق، وهي مجموعات شبه عسكرية تم دمجها رسميا في قوات الأمن العراقية منذ عام 2018، رغم أن العملية لم تكتمل بنجاح.

وتميل هذه الوحدات غالبا لإيران، بما في ذلك "منظمة بدر" و"عصائب أهل الحق" وحركة "نجباء حزب الله" و"كتائب حزب الله".

وأكدت مصادر أمريكية وإسرائيلية أنها تلعب دورا في سياسات إيران الإقليمية الأكبر، حيث تربط حلفاء إيران في العراق بسوريا و"حزب الله" في لبنان.

وفي أواخر سبتمبر/أيلول 2019، ألقى رئيس الوزراء العراقي السابق "عادل عبدالمهدي" باللوم على (إسرائيل) في هذه الغارات الجوية، وخلال نفس الفترة، اتهم زعيم حزب الله "أكرم الكعبي" (إسرائيل) بامتلاك قاعدة في إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي، ونفت حكومة إقليم كردستان هذه الاتهامات.

وفي نفس الوقت تقريبا، استهدف المتظاهرون المناهضون للحكومة رموز الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك القنصليات الإيرانية في كربلاء والنجف، وكذلك مكاتب مختلف مجموعات "الحشد الشعبي".

ومهد الجدل حول تورط (إسرائيل) في العراق الطريق أمام ادعاءات لاحقة بأن المتظاهرين المناهضين للحكومة حصلوا على دعم إسرائيلي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، قال "قيس الخزعلي"، زعيم "عصائب أهل الحق"، و"هادي العامري"، إن (إسرائيل) والولايات المتحدة كانتا وراء "فتنة" الاحتجاجات في العراق.

والتقطت هذه التعليقات وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية، بالإضافة إلى ذلك، ادعى "الخزعلي"، في ديسمبر/كانون الأول 2019، أن هناك مؤامرة أمريكية إسرائيلية ضد بغداد. وتم نشر تعليقاته في وسائل الإعلام العراقية.

واستمر "الخزعلي" في الدفع بنظريات المؤامرة في 6 فبراير/شباط، مؤكدا أن الولايات المتحدة و(إسرائيل) يعملان على تطوير "مشروع" ما في العراق.

وبحلول ذلك الوقت، كان "الخزعلي" مستهدفا بالعقوبات الأمريكية، لقيامه بدور في قمع الاحتجاجات، ومن وجهة نظر "الخزعلي"، حثت الولايات المتحدة و(إسرائيل) المحتجين على أن يكونوا أكثر عنفا من أجل استفزاز حملة القمع، وبالتالي تشويه صورة وحدات "الحشد الشعبي".

ونشرت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية الرسمية مقالا في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2019، يروج لحجة أكثر تعقيدا، وأكد المقال العلاقات بين القائد العراقي السابق "عبدالوهاب السعدي" والقيادي السابق بحركة "فتح" الفلسطينية "محمد دحلان" كجزء من مؤامرة أمريكية إسرائيلية إماراتية لتمكين انقلاب في بغداد من خلال الاحتجاجات.

ومع تزايد التوترات في العراق مع الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني، أصبح استخدام الصور المعادية للولايات المتحدة و(إسرائيل) أكثر وضوحا.

وفي مظاهرة حاشدة في بغداد، في 24 يناير/كانون الثاني، نظمها الزعيم السياسي الشيعي البارز "مقتدى الصدر"، جرى وضع الأعلام الإسرائيلية والأمريكية تحت الأقدام.

وكشفت دراسة استقصائية لأكثر من 100 صورة تم التقاطها في الاحتجاج عن العديد من اللافتات المتعلقة بـ(إسرائيل)، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، لافتة "الموت لأمريكا و(إسرائيل)".

وتعد هذه الأنواع من الشعارات أكثر شيوعا في العراق وإيران في "يوم القدس" في شهر مايو/أيار، الذي يعبر عن الدعم الإيراني للفلسطينيين، وتجدر الإشارة إلى أن البرلمان العراقي قد صوت لتجريم حمل العلم الإسرائيلي عام 2017، بعد أن لوح به مؤيدو الاستفتاء الكردي في المسيرات.

ومن المرجح أن تكون (إسرائيل) قد تراجعت عن الهجمات على الجماعات المدعومة من إيران في العراق بسبب مخاوف الولايات المتحدة من أنها قد تغذي الوضع المتوتر بالفعل.

وقال التحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية" في تقرير ربع سنوي صدر عام 2019، إن الغارات الجوية الإسرائيلية المشتبه فيها أسفرت عن قيام الحكومة العراقية بفرض قيود جوية على جميع الطائرات الأجنبية، بما في ذلك طائرات التحالف.

ولا تعد أي من الادعاءات ضد (إسرائيل)، أو مهاجمة علم (إسرائيل)، جديدة على العراق، ومع ذلك، فإن ربط (إسرائيل) بالاحتجاجات والحوادث الأخيرة المناهضة للحكومة في العراق، خلال الأشهر الـ6 الماضية، فريد من نوعه، ويبدو أن محاولات تصوير أن الاحتجاجات تفيد (إسرائيل) أو ترتبط بمؤامرات أمريكية وإسرائيلية قد اكتسبت بعض التأثير.

وكانت تأكيدات قيادات بالحشد الشعبي أن (إسرائيل) نفذت هجمات ضدهم في صيف عام 2019 قد أعطت مصداقية لبعض نظريات المؤامرة.

وستظل (إسرائيل) هدفا للسياسة العراقية طالما واصلت الولايات المتحدة صراعها مع إيران وجماعاتها المسلحة ووحدات "الحشد الشعبي".

المصدر | سيث فرانتزمان | أتلانتيك كونسيل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد