الأربعاء 4 مارس 2020 12:12 م

"خلافات عديدة في السياسة قد تذيبها مصالح الاقتصاد، لاسيما بعد أزمة تفشي فيروس كورونا عالميا"..

هكذا جاءت خلاصة تقديرات مراقبي العلاقات بين الجزائر والرياض بعد الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس الجزائري "عبدالمجيد تبون" للسعودية في 27 فبراير/شباط الماضي، حيث التقى العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز".

ومنذ صعود الرئيس الجزائري "عبدالمجيد تبون" لسدة السلطة على خلفية حراك شعبي، ظهرت العديد من ملفات الخلاف المكتوم بين الرياض والنظام الجديد في الجزائر، الذي تنظر إليه الرياض بذات الريبة المعتادة التي تتعامل مع الأنظمة الصاعدة على وقع ثورات شعبية.

ملفات الخلاف

ويتعلق أول ملفات الخلاف بين البلدين بالصراع في ليبيا، ففي حين تدعم الرياض ماليا قوات الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" الذي يسيطر على الشرق الليبي، تجد الجزائر قدرا أكبر من الراحة في التعامل مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في الغرب الليبي التي تسيطر على المساحة الجغرافية المتاخمة للحدود مع الجزائر.

وتنظر الجزائر بقدر كبير إلى "حفتر" وحملته العسكرية الهادفة للسيطرة على ليبيا، وهو ما يدفع الجزائر للعب دور نشط في محاولة للوصول إلى تسوية سلمية للصراع في جارتها الشرقية.

وفي عام 2018، هدد "حفتر" الجزائر، مدعيا أن "الحرب الليبية الحالية قد تنتشر في أي لحظة عبر الحدود الجزائرية"، ومع ذلك، رفضت السلطات الجزائرية إضفاء الشرعية على قيادته وتجاهلت تهديداته.

ومنذ ذلك الحين، استفاد "حفتر" من الانشغال الداخلي للقيادة الجزائرية بالمظاهرات الشعبية لإطلاق توسعه في ليبيا حتى انتخاب "تبون"، الذي أعد زخم الدبلوماسية الخارجية إلى بلاده، مع أولوية خاصة للملف الليبي.

ووفق لتحليل للكاتبين "هلال الجمرة" و"يوسف أغروان" نشر في موقع "إنسايد أرابيا" المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فإن الرياض عمدت إلى توظيف "حفتر" ضد الجزائر لتحقيق هدفين رئيسيين أولهما ابتزاز القيادة الجزائرية عبر الملف الأمني، والثاني هو محاولة دفع هذه القيادة لإعطاء الأولوية للمخاوف المتعلقة بالأمن على آمال الإصلاح الديمقراطي، الذي يثير مخاوف أيديولوجية خاصة لدى حكام السعودية.

في هذا السياق، تخشى السعودية فيما يبدو من صعود الإسلاميين في الجزائر الجديدة، خاصة مع إبداء قياداتهم عداء صريحا لسياسات السعودية، وهو ما عبر عنه "عبدالرزاق مقري"، رئيس حركة مجتمع السلم، في فبراير/شباط الماضي، عندما هاجم الرياض بسبب دعمها لخطة السلام الأمريكية بالشرق الأوسط، المعروفة بـ"صفقة القرن"، وقال إن "السعودية تستغل نفوذها وعلاقاتها لتنفيذ الصفقة وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني".

وسبق لـ"مقري" توجيه انتقادات لاذعة إلى السعودية في يوليو/تموز 2018، بعدما استجابت لطلب من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بعدم تخفيض إنتاجها النفطي من أجل الحفاظ مستوى أسعار منخفض.

وعلى المستوى الجيوسياسي، يشعر المسؤولون في الرياض بالتوتر من أن تشكل العلاقات الودية للإسلاميين الجزائريين تجاه قطر وتركيا حقبة ما بعد الرئيس الأسبق "عبدالعزيز بوتفليقة" في البلاد، ما يزيد من إبعاد الجزائر عن دائرة نفوذ الرياض.

وعزز من هذه المخاوف موقف "تبون" الودي من تركيا وقطر، حيث استقبل "تبون" في الجزائر كلا من الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" (26 يناير/كانون الثاني) وأمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني" (25 فبراير/شباط الماضي)، حيث أبرم اتفاقيات تعاون استراتيجي مع البلدين، بخلاف تأكيده في مؤتمر صحفي بصحبة أمير قطر على وجود "توافق تام" مع دولة قطر بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية والسياسية والاقتصادية.

بخلاف ذلك، يرى الباحث "جورجيو كافيرو" أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" يعاني من "مشكلة سمعة" في الجزائر، حسب تعبيره، خاصة بعد جريمة اغتيال الكاتب الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" على يد عملاء حكوميين بمدينة إسطنبول التركية في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، مشيرا إلى أن متظاهري الحراك الشعبي هتفوا ضد زيارته للبلاد العام الماضي.

تقارب ناشئ

لكن في المقابل، يدفع تطورات سوق النفط العلاقة بين الجزائر والسعودية إلى تقارب إجباري، خاصة مع رغبة الرياض في الأعضاء بمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" لتبني تخفيض جديد للإنتاج في 5 مارس/آذار الجاري لإنقاذ مستوى أسعار الخام من توقعات الهبوط إلى ما دون الـ40 دولارا للبرميل.

وتوجد درجة كبيرة من عدم اليقين حول المستوى الذي سيستقر عليه انخفاض الطلب الناتج عن أزمة تفشي فيروس "كورونا" عالميا، وقدرت وكالة "بلومبرج" الأمريكية أن حجم انخفاض الطلب الصيني وحده بلغ نحو 3 ملايين برميل يوميا.

ولما كانت الحكومة الجزائرية قد أعلنت، في سبتمبر/أيول الماضي، تخفيض السعر المرجعي لبرميل البترول ضمن إعدادها لمشروع قانون المالية لسنة 2020، واعتمدت سعر 45 دولارا للبرميل عوض 50 دولارا، فإن تداعيات أزمة كورونا قد تعني عجزا إضافيا بميزانية العام الجاري.

وعليه يرى المحلل السياسي "سليمان أعراج" أن اختيار الرئيس "تبون" للسعودية كأول بلد عربي يزوره بعد انتخابه سيعود بالفائدة على البلدين في مختلف الأصعدة الاقتصادية، وفقا لما نقله موقع "الجزائر الآن".

بخلاف ذلك، يأمل "تبون" أن تبني الجزائر لدبلوماسية "حيادية" من شأنه أن يساعد بلاده في حزب الاستثمارات من مختلف البلدان الخليجية بعيدا عن الصراعات السياسية بينها، وقد بدأت ثمار هذه السياسة في الظهور مع إنشاء المجلس الاستراتيجي الجزائري السعودي، إضافة إلى الزيارة المرتقبة لوفد من رجال الأعمال السعوديين إلى الجزائر في أبريل/نيسان المقبل.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات