الأربعاء 5 أغسطس 2015 05:08 ص

عندما كنا صغارا كانت خلافاتنا في مرحلة الطفولة لا تتعدى ملعب الحي الذي نسكنه، أو الشارع الذي نلعب فيه، لكنها كانت مصدرا مهما من مصادر بناء شخصياتنا المستقبلية، التي تظهر فيها السمات المبكرة للصفات الشخصية القوية والضعيفة، والهادئة والمنفعلة، والعدائية والمتسامحة، وبالملاحظة الدقيقة والمتابعة الجادة للطفولة بالتأكيد سنتعرف على مؤشر شخصية الطفل في المستقبل فبعضهم يتمتع بشخصية هادئة متزنة مميزة وقوية، وبعضهم قد تقوده شخصيته إلى الغرور والتعالي وبعضهم إلى الضعف والخنوع، وفي كل الأحوال يظل الطفل بحاجة إلى التوجيه المناسب، وتوفير كل الإمكانات التي توفر له نشأة سليمة في بيئة مناسبة تعترف به وتشجعه على التميز، ولا تقصيه ولا تصادر أفكاره، وتعده جيدا للاستفادة منه مستقبلا في خدمة وطنه ومجتمعه.

الخلافات بين الأطفال في البيت أو في ملعب الحارة أو في المدرسة تظل خلافات عفوية ما تلبث أن تزول بمجرد أن يشتركوا مرة أخرى في لعبة جديدة أو يستمعوا معا إلى حكاية مثيرة من تلك الحكايات التي كانت ترويها جداتنا وأمهاتنا، لم نكن نعرف الفرق بين ماهية الخلاف والاختلاف، حتى في شبابنا كنا نظن أن السياسة فن ديبلوماسي تسيطر عليه كثير من الخدع والحيل للحيلولة دون وقوع خلافات بين بلدين حتى لا تؤدي إلى قطع العلاقات بينهما ويحرم شعوبهما من التزاور وتبادل الخبرات والثقافات، ولأن العرب جبلوا على الانفعالات وسرعة الخلافات، وعدم الاتفاق على رأي واحد، فكنا نتداول عبارة (اتفق العرب على ألا يتفقوا) على الرغم من أننا ندرك جيدا ماذا يعني أن تختلف مع غيرك في وجهات النظر؟ ونعي جيدا ماذا يعني أن نختلف فكريا وعقائديا؟ وماذا يعني تحجر الرأي والدفاع عنه بكل قوة واتهام الآخر المختلف معه ورميه واتهامه ونفيه وإقصائه، والإصرار على الانتصار للرأي حتى وإن كان خاطئا وصاحبه يعرف أنه مخطئ.

الاختلاف في الرأي سنة من سنن الكون والاختلاف بين العلماء رحمة وعندما يقول الأصدقاء: (الاختلاف لا يفسد للود قضية) فإنهم يعنون ذلك لمعرفتهم بأن الاختلاف يفضي إلى كثير من المقومات الأخلاقية التي تترتب عليها احترام الآخر وقبول رأيه واحترام وجهة نظره حتى لو كانت في واد آخر، وللاختلاف في الآراء أهمية كبيرة في تنمية القوى الجماعية وإدارة الأزمات، ومن المهم جدا توعية الشعوب على ثقافة الاختلاف، وإعطاء مساحات كبيرة للتفكير والحوار والنقاش والاتفاق للوصول إلى نتائج إيجابية لها فوائد عظيمة تعود بالنفع على المجتمع وتفيد الأجيال القادمة في المستقبل.

وعلى العكس من ذلك يأتي الخلاف بكل حمولاته التي تخلق تشنجات غاضبة وتخلق أزمات وحالات من التوتر تصل في بعض الأحيان إلى القطيعة لأنها مبنية على فلسفة عقيمة أساسها إلغاء الآخر بكل أفكاره وآرائه، مما يكون له كثير من الآثار السلبية على المجتمع وعلى تنشئة الأطفال في بيئة خلافية تجرم وتكفر وتقصي الآخر، ومن مظاهره التعيسة تقديس الرأي الأحادي وإلغاء كل رأي مخالف له أو على النقيض منه، وهذا ما يجعل مجتمعاتنا تفتقد إلى الروح الجماعية الطموحة المبادرة والمنتجة فكريا وثقافيا، بل إن كثرة الخلافات تخلق مجتمعا سلبيا تكثر فيه الجريمة، و يستفحل فيه القتل والإرهاب.

لسنا وحدنا في هذا العالم، ويجب أن ندرك جيدا أننا شركاء في هذا الكون لنا آراؤنا ولهم آراؤهم، ولنا أفكارنا ولهم أفكارهم، ولنا ديننا ولهم أديانهم.

فمن المهم أن نعترف بالآخر وبفكره كجزء أساسي من النسيج الثقافي العالمي، ومن حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه وعن فكره، وعن عقيدته، وعن كل ما يؤمن به، ولا نتردد في نقد ما نراه يحتاج إلى النقد والتوضيح بناء على رؤيتنا، دون إلغاء رؤيتهم، فقط نريد أن نعرف كيف نختلف؟ وكيف نتفق؟ وكيف نضع الأمور في مسارها الصحيح؟ مع أهمية أن نحتفظ للإنسان بكرامته وعدم هدرها لأننا اختلفنا معه.

استغرب عندما يقال إن الكتاب التنويريين يبشرون بعصر جديد مبني على الديمقراطية وقبول الرأي والرأي الآخر، ومصدر استغرابي أن الإسلام أكثر الأديان تنويرا وتسامحا، وقبولا للرأي الآخر، ومنهج نبي الهدى والرحمة هو أكثر المناهج التنويرية صدقا ووضوحا، إنه منهج رباني متسامح ومبني على التشاور، (وشاورهم في الأمر)، والأخذ بالرأي الجماعي (وأمرهم شورى بينهم)، نحتاج فقط إلى رحلة سياحية صادقة في تراثنا الفكري الإسلامي الإنساني الصافي بعيدا عن النظريات الفكرية البائسة والصراعات العقيمة بين الحضارات وطبقاتها المختلفة.