الاثنين 16 مارس 2020 05:53 ص
  • مناخ مؤاتٍ لتحوّل فيروسات وبائية إلى فيروسات سياسية.
  • يصعب التمييز بين فيروس وبائي وفيروس سياسي، فكلاهما خطر على البشرية حين يستهدف الإنسان ليقتله.
  • هل يكون «كورونا» المستجد «صنع في الصين» أم «صنع في أميركا»؟ وهل هو فصلٌ أول من نوعه في حرب بيولوجية كونية؟
  • اتهامات أميركية بتأخر الصين شهرين للاعتراف بإصابات ووفيات، أما الاتهامات الصينية فتركّز على عدم الشفافية الأميركية في توفير المعلومات.

*     *     *

لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى، لكن حتى في الحروب تتوزّع الأطراف الاتهامات لتضييع الحقيقة وتمويه المسؤولية.

لا يزال العالم وسط اللجّة الوبائية، لا في ذروتها، وجلّ ما يتنماه أن يبقى عدّاد الضحايا البشرية عند حدّ معيّن، فهذا هو الفارق مع الحروب. إذ يُعتقد أن السيطرة على العدوى المَرَضية ممكنة، ولو اقتضى منع التجوّل وفرض الحجر العام.

فالفيروس ومحاربته تتمّان بلا صخب ولا دويّ. أمّا أعمال القصف والقتال، التي تشلّ الحركة تلقائياً وتُوجب الاختباء في الملاجئ، فليست ملزمة عادة بسقف من «ضبط النفس» للسيطرة عليها، ولا خيار فيها سوى الغلبة لتصمت المدافع، ويتوقف الموت القسري.

لوهلة يصعب التمييز بين فيروس وبائي وفيروس سياسي، فكلاهما خطر على البشرية حين يستهدف الإنسان ليقتله. في التحليل المجهري والبحث عن أصل الأوبئة غالباً ما يتبيّن أن مصدرها غير بشري لا يتقصّده الحيوان في تعاطيه مع الطبيعة، أو بوجوده في بيئة لا يعلم أنها غير نظيفة، فلا الإنسان يحميه ولا هو يحمي الإنسان.

هل يمكن تخيّل طواقم بحث دائبة التفتيش عن الخفافيش وغيرها من الحشرات؟ وكيف تعيش؟ وفي أي قاذورات تقتات؟ وأين تلقي بمخرجاتها؟

طبعاً لا، رغم أن لدى المختبرات المتقدمة أرشيفاً لسلالات الفيروسات المكتشفة، بما فيها تلك التي لم تتفشَّ ولم تقتل. واستطراداً في المقارنة يبدو الفيروس السياسي كما لو أن مصدره لا يقلّ قذارةً، وهو لا يستهدف أي رئتين يصادفهما، كما يفعل كورونا «كوفيد - 19»، بل يضرب عادة العقول، مركّزاً على منطقة صنع القرار في الأدمغة.

ينتصر في الحرب الطرف الذي يملك السلاح الأقوى أو يطوّره فيما هو يقاتل فيتمكّن من الحسم، وقلّ ما تنتهي أي حرب أو تزول أسبابها لكن التفوّق التقني ينهي زخمها فيفرض القوي على الضعيف ليس فقط الاعتراف بهزيمته، بل التصميم على أن يسعى إلى التفوّق بدوره ليعاود الكرّة.

الدول الكبرى أصبحت عُظمى بحيازتها السلاح الأعلى درجة -القنبلة النووية- فتستخدمه للردع وحماية الذات. أي أن كلّاً من هذه الدول تلقّحت للوقاية من الفيروس النووي عند الأخرى، وهي مع ذلك تعيش هاجس تلقّي الضربة الأولى، لكنها تشكّل خطراً على دول وشعوب أخرى. ثمة أمراضٌ تفشّت جرّاء استخدام أسلحة مزوّدة بمواد أو رؤوس نووية.

العالم يحارب فيروس «كورونا» ويبحث عن اللقاح الناجع للقضاء عليه. ربما يستغرق ذلك وقتاً أطول من تصنيع سلاح عسكري، وقد يُكتفى في مرحلة أقرب بعقار يحتوي المرض ولا ينهيه، فالأولوية الآن لإنهاء الحاجة إلى شلّ الحياة العامة.

بات اللقاح المرتقب محور سباق سياسي وتجاري، وفي انتظاره أصبح الفيروس مادة لتراشق التهم بين واشنطن وبكين، فهل يكون «كورونا» المستجد «صنع في الصين» أم «صنع في أميركا»؟ وهل هو اختبارٌ أول أو فصلٌ أول من نوعه في حرب بيولوجية كونية؟

الاتهامات الأميركية تتعلّق بتأخر الصين أكثر من شهرين للاعتراف بوجود إصابات ووفيات، أما الاتهامات الصينية فتركّز على عدم الشفافية الأميركية في توفير المعلومات. هذا مناخ مؤاتٍ لتحوّل فيروسات وبائية إلى فيروسات سياسية.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب صحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية