الثلاثاء 17 مارس 2020 06:42 ص

(1)

ينشغل العالم كله المتقدم والنامي بوباء "كورونا" ونسوا مآسي الشعب العربي في سورية، الواقع بين مطرقة النظام القابع في دمشق تحت الحماية المسلحة الروسية الايرانية وسنديان الغارات الجوية الروسية والبراميل المتفجرة التي لا تميز بين مذنب وبريء، ونسوا الشعب العربي الليبي ومآسيه حيث امتدت اليه جحافل المرتزقة الروس وغيرهم يقتلون الخلق ويدمرون الممتلكات بغية تسييد من لا يقبل به معظم الليبيين. ونسوا مأساة الشعبين السوداني واليمني وغيرهما.

ان الحروب التي تشتعل نيرانها في الدول العربية اليوم بفعل السلاح الأوروبي شرقا وغربا تحصد من البشر يوميا اكثر مما يحصد وباء "كورونا" في جميع دول العالم في شهر.

(2)

في اجواء وباء "كورونا" وفي بداية انشغال العالم بأسره بأمر هذا الوباء دعت سعادة السيدة توكل كرمان حاملة جائزة نوبل الى مؤتمر يعقد في اسطنبول من اجل احلال الامن والسلام وانهاء الحرب في اليمن والشروع في اعادة اعماره على كل الصعد، شارك في هذا المؤتمر نخبة من اصحاب القلم والفكر من اقطار عربية واجنبية كان حظي ان اكون بين المدعوين.

كانت السيدة الفاضلة كرمان اول المتحدثين، كانت كلمتها تمثل مشروع عمل لإنهاء الحرب والبدء في وضع برنامج عملي لاعادة الاعمار وإنهاء الحرب.

راحت سعادة السيدة توكل كرمان تشخص الحال وكيف تنتهي هذه الحرب الملعونة، كانت نقطة البدء كما جاء في خطابها ان "المليشيات الحوثية وهي من بدأت الحرب وانقلبت على الدولة اليمنية والحرب عندها لن تضع اوزارها الا بفرض سيطرتها بقوة السلاح بفرض دولة يمنية امامية بديلة عن الدولة الوطنية واخضاع المجتمع لإرادتها وفرض هيمنتها الشاملة على موارده وثرواته ومؤسساته. انها حركة مسلحة لا تظهر اي مرونة للقبول بتسوية سياسية تكون فيها مكونا ضمن مكونات وجماعات سياسية تقر بالدولة الحديثة مرجعية لكل قوى المجتمع.

(3)

في الجانب الاخر من الصورة تؤكد حاملة جائزة نوبل العالمية السيدة كرمان ان الدولة السعودية هي الطرف الاخر الذي "لن يسمح بانتهاء الحرب في اليمن الا بفرض اتفاقيات على القيادة اليمنية ايا كانت، تبارك احتلالها ووصايتها على يمن تسوده اللا دولة، ومن ثم فرض السيطرة على مواقع يمنية استراتيجية بالغة الاهمية، وليست معنية بالوحدة اليمنية بل يهمها ان يكون اليمن مقسما تعمه الفوضى وتنهشه الحروب الداخلية.

اما الامارات المولود الجديد المتطلع الى تأسيس امبراطورية تفوق قدراتها البشرية والفكرية ولو اطلقت قمرا صناعيا ودخلت معراج التسلح النووي ولو كانت كنوزها المالية تزيد عن كنوز قارون، تعتقد قيادتها انها ستفرض ارادتها على الشعب اليمني العريق، ونهاية الحرب عندها اذا تمكنت من تثبيت مليشياتها ونخبها المسلحة التي تضمن تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وتمكنت من تجزئة اليمن وتفتيت وحدته.

(4)

تؤكد السيدة توكل ان الحرب في اليمن لن تنتهي بصفقات بين امراء مليشيات ونخب (النخبة الحضرمية، النخبة الشبوانية، الخ) الحرب الداخليين ودول الوصاية الخارجية.

وتؤكد ايضا ان الحرب لن تنتهي بانتزاع اعتراف بمشروعية وجود امراء الحرب ومليشياتهم، عملاء دول التحالف، ليتخذوا من هذا الاعتراف قاعدة صلبة لمواصلة حروبهم والحفاظ على مصالحهم الذاتية ولو على حساب مجتمعهم وشعبهم ودماء اليمنيين وآلامهم.

وتتساءل الاستاذة كرمان، أي نهاية للحرب اذا تمزق اليمن الى دويلات تديرها المليشيات التابعة لإيران والسعودية والامارات؟ اي نهاية للحرب اذا قبلنا باللا دولة، ونهاية النظام الجمهوري وتمزيق الوحدة اليمنية ومخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور ومشروع الدولة الاتحادية بأقاليمها المتعددة.

ان الحرب عند السيدة كرمان تنتهي بوحدة اليمن، تنتهي بعودة الدولة الجمهورية اليمنية صاحبة السلطة الكاملة والشاملة على كل ارض اليمن من صعدة شمالا وحتى المهرة ومن صنعاء الى سيئون ومن سقطرى الى عدن وباب المندب وكل شبر على ارض يمنية.

كما تؤكد القول على ان المرجعيات الثلاث (مخرجات الحوار الوطني، ومبادرة مجلس التعاون، وقرارات مجلس الامن) ليست اوراقا يمكن تجاوزها وتلفيق اتفاقيات سلام مزيفة خارجها، انها محددات لإنهاء الانقلابات وعودة الدولة، انها تمثل اهداف اليمنيين وطريقهم الضامن لإنهاء الحرب وتحقيق السلام.

(5)

ان السيدة توكل كرمان التي لم "تنشغل بالمكحلة والمرود والمرآة" بل انشغلت بهم اليمن شعبا وحضارة وموارد وسيادة واستقلالا، تلخص مأساة اليمن بعبارة بسيطة ومؤجزة "انها تحالف اركان الثورة المضادة الرباعي" السعودية كقائدة لذلك التحالف، وادواتها علي عبد الله صالح المخلوع، ومحمد بن زايد ال نهيان، والحوثيون) بهدف تقويض ثورة فبراير وما ترتب عليها". خطتهم تمكين الحوثيين، وعصابات عبدالله صالح من احتلال العاصمة صنعاء ولا مانع من التمدد الى ما بعد صنعاء وخط احمر الوصول الى عدن.

نشوة النصر عند الحوثيين تحت ستار الخيانة في الداخل، وبغض طرف قادة الثورة المضادة تجاوز الحوثيون الخط الاحمر المشار اليه (عدن) فكانت الحرب المهلكة لليمن وليس للحوثيين تحت ذرائع كاذبة خاطئة (استعادة الشرعية). والراجح اليوم عند قادة الثورة المضادة هو العمل بكل الوسائل لاجتثاث حزب الاصلاح، وهيهات لهم ذلك انه امر يستعصي عليهم جميعا.

(6)

ان السيدة توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام بعد ان شخصت الحال في اليمن الشقيق اكدت انه في حالة استمرار الاستلاب السياسي وعجز الحكومة اليمنية المحتجزة في الرياص عن غير ارادتها فإنها "تدعو قوى الداخل الميدانية، والمحافظين المعتمدين، والقيادات العسكرية، والمقاومة الشعبية وكل الحريصين على اليمن واستقلاله في الداخل لتشكيل قيادة ميدانية في الداخل تضطلع بمهمة تحرير اليمن من المليشيات والمرتزقة ومن الوصاية والاحتلال الخارجي وتعبر عن مصالح البلاد وسيادتها واستقلالها"، وفي هذا المجال نطالب بحكم الواجب الوطني كل النخب الفكرية والقيادية والشبابية بالالتفاف حول القيادة الداخلية المشار اليها اعلاه وشد أزرها بالرأي والمشورة والمؤازرة كل بقدر طاقته.

ان الشعب اليمني في ملاذاته ومهاجره مدعو الى استعادة اليمن من مختطفيه وقيام دولته المستقلة ذات السيادة بعيدة عن التجزئة والتفكك، بعيدة عن الانانية والاحقاد بعيدة عن الالحاق والتبعية.

آخر القول: هذا بيان للشعب اليمني بكل فئاته ومكوناته، وسيعلم الذين ظلموا اليمن أي منقلب سينقلبون!

- د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر

المصدر | الشرق القطرية