الخميس 19 مارس 2020 03:06 م

وقف الحرب في اليمن ليس تنازلاً عن الجمهورية

الحوثي بحفاظه على قوة وحضور داخليين يمتلك مساحة استقلالية أفضل من حكومة مهاجرة.

نظام الإمامة كان نظام حكم ثيوقراطي، يقوم على تقسيم المجتمع حسب أصولهم العرقية والقبلية والمناطقية.

الجمهورية أكثر من نظام سياسي بل ترياق خلاص للانفتاح وكسر العزلة والخروج بصراعات اليمنيين وانقساماتهم على أسس الهوية نحو صراع وانقسام سياسي.

*     *     *

يتصاعد الحديث بين طيف واسع من اليمنيين من خصوم الحوثي بشأن جدوى استمرار هذه الحرب، بعد الهزائم العسكرية المتتالية وغياب القيادة، ما أدى إلى تفكك واسع لهذا الطيف، ثم دخوله في معارك داخلية استنزفته، مثل ما هو حاصل في عدن، ما أدّى إلى تزايد دعوات وقف الحرب والقبول بسلطة الأمر الواقع، ما واجه معارضة شرسة، خشية أن يكون هذا بمثابة استسلام لسلطة الحوثي، وتراجع عن مبدأ الجمهورية.

لا يدرك معظم من هم خارج اليمن أنه لا علاقة لسردية الحرب لمعظم اليمنيين بالرؤية الاستشراقية لنظريات الأقليات والاضطهاد وتقسيمها شعوب الشرق قبائل وطوائف لم تتطور إلى مفاهيم الوطن والشعوب، فالبعد المذهبي لحرب اليمن لا يزال ضئيلا قياساً بغيره من أبعاد. كما أن يمنيين كثيرين لا تعنيهم فعلاً سردية الانقلاب والحكومة الشرعية التي صارت في نظر معظمهم عنوانا للفشل والفساد.

ينظر معظم اليمنيين إلى هذه الحرب امتداداً لحرب اليمنيين من أجل الجمهورية ضد الإمامة التي يمثل امتدادها الحوثي. وبدون هذه السردية، لا يمكن فهم الكثير مما يدور في اليمن، فلا يمكن تفسير مقاومة بعض المشيخات القبلية واستسلام أخرى وتعاون بعضها كرفض بعض المناطق للحوثي أو خضوعها أو مقاومتها.

الجمهورية بالنسبة لليمنيين ليست مجرد نظام سياسي أسقط ملكية عادية، فنظام الإمامة كان نظام حكم ثيوقراطي، يقوم على تقسيم المجتمع حسب أصولهم العرقية والقبلية والمناطقية، ولأسباب متعلقة بإشكالية تولي الحكم المرتبطة بالقتال، فالحكم لا يجوز توريثه، وهو يؤخذ عنوة!

بالتالي أصبحت الإمامة مرادفا للاقتتال، والميل نحو العزلة، بسبب خشية الإمام المستمرة من التمرّد. بالتالي كانت الجمهورية أكثر من مجرد نظام سياسي، بل ترياق خلاص للانفتاح وكسر دائرة العزلة، والأهم الخروج بصراعات اليمنيين وانقساماتهم على أسس الهوية نحو الصراع والانقسام السياسي.

لهذا السبب، تبدأ الإسقاطات بين ما حدث في ثورة 1962 وما تلاها من حرب أهلية استمرت سبع سنوات والحرب الحالية، على الرغم من الفرق الهائل على عدة مستويات.

صحيح أن الشعارات لدى كلا الطرفين ما زالت ذاتها، فالطرف الإمامي، وهو الحوثي حالياً، لا يزال يرفع شعارات محاربة العدوان ومقاومة الاحتلال، لكنه في المرة السابقة كان التدخل العسكري المصري، والآن التدخل العسكري السعودي.

رغم شعارات العصبية والتعصب المذهبي لدوائره الداخلية، بينما يدافع الطرف الجمهوري المقابل عن تصوراته الوطنية المستقبلية في دولةٍ تحكمها المفاهيم الحديثة من دستور ومواطنة، رغم وجود العامل السلفي المذهبي في هذه الحرب الذي لم يكن حاضراً بالسابق.

الفرق هو في مدى تماسك خطاب كل طرف، فالحوثي يبدي تماسكاً أكبر في خطابه، بل إنه يحاول تغطية ثغرته بشأن الجمهورية التي يشعر بحساسيتها لدى غالبية اليمنيين، لذا لا يمانع من استمرار إجازة 26 سبتمبر (ذكرة ثورة 1962)، وبعض الطقوس الاحتفالية الضيقة لعيد الثورة الجمهورية التي تعتبرها أدبياته انقلابا!

مع أن ذكراها تأتي بعد أيام من احتفالات متبجحة بمناسبة سقوط صنعاء بيدهم في 21 سبتمبر/ أيلول 2015، كما لا تنفكّ قياداته في الحديث عن الجمهورية، والغمز بأن خصومهم الإقليميين هم ملكيات وإمارات.

بل حذف الحوثيون من مواقعهم الوثيقة الفكرية، وهي وثيقة وقع عليها بعض علمائهم، وقائد المجموعة عبد الملك الحوثي، وكانت تفصح عن حقيقة أفكارهم، وأبرزها مسألة اصطفاء آل البيت، وأحقيتهم الإلهية بالحكم من دون منازع، وهي وثيقة كانت تحرجهم، وتتناقض مع تصريحات قياداتهم المراوغة عن الديمقراطية والجمهورية.

صحيحٌ أن واقع الأمر يحمل تناقضا كثيرا، فلا يحتاج أحد للاطلاع على الوثيقة حتى يلاحظ امتيازات الهاشميين عن بقية اليمنيين منذ صعود الحوثي، وبالتالي تصاعد مشاعر النقمة والغضب ضدهم كفئة اجتماعية، وهذا الوتر العاطفي الذي يلعب عليه خصوم الحوثي.

في المقابل، يتذبذب الخطاب، فهو حيناً صراع بين الهاشميين وبقية اليمنيين. وفي مربع الصراع على الهوية، ينجح الحوثي، فلو تم التعامل معه بوصفه صراعا قبليا أو مناطقيا أو مذهبيا بين الزيود وبقية المناطق والمذهب الشافعي (السني)، هذا يعطي الحوثيين حجماً أكبر من حجمهم ممثلين لما لا يقل عن ثلث سكان اليمن.

كذلك الحوثيون أكثر تنظيماً وعصبية جاهزة بقيادة وعقيدة تعززان فكرة الانقياد من دون إشكالاتٍ تعاني منها أفكار سياسية أخرى، مثل الجمهورية والدستور التي لا تسهل عملية القيادة، لأنها في مضمونها تؤمن بحرية الفرد، وتعزّز فكرة التباين.

كما أن هذا الخطاب يتماهى معه الحوثي بسهولة، بحكم تكوينه العصبوي، بينما يفتقد الطرف الآخر أحد ارتكازات قوته، فمن أبرز ما قامت به ثورة 1962 نقلها الصراعات اليمنية على السلطة من مربع العصبيات المذهبية والمناطقية والقبلية إلى مربع المشاريع السياسية، ما أدى إلى اختراق العصبيات التي تصطف، بطبيعة الحال، مع الإمامة، مثل الهاشميين وبعض القبائل.

في محاولة إنتاج سردية تاريخية، الجمهورية عمرها عشرات السنوات والإمامة مئات السنوات. أما محاولة الذهاب بعيداً إلى تاريخ ما قبل الإسلام فلن تؤدّي سوى إلى خسارة جمهور واسع، لا يتصور التراجع لتلك المرحلة، واعتماد مرحلة ما قبل الإسلام مرجعية تاريخية، وهنا أيضاً يخسر فيها الطرف الجمهوري نقطة قوته، المتمثلة بالمستقبل، وليس الماضي.

حتى سياسياً، لا يتماسك خطاب خصوم الحوثي، فهم أحيانا يمثلون شرعيةً صارت سيئة السمعة، بسبب القيادة التي تمثلها، وحيناً يسعون إلى تطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني والفيدرالية، وهي قضايا غائمة لناس كثيرين، ولا تمسّهم بشكل مباشر.

على المستوى العملي، يظل الفارق هائلا على مستوى القيادة والأداء، فعلى الرغم من قمع الحوثي وفساده، إلا أن جدّيته وإخلاصه لما يقوم به ينعكسان بوضوح على تصرفاته واستمرار نجاحاته العسكرية، خصوصا مع حفاظه على تماسك تنظيمي ضمن قيادة واحدة.

هنا يبيح الحوثي لنفسه ما لا يبيحه للآخرين، كأي جماعة مغلقة تتعامل بمنظومة قيم مختلفة مع أعضائها، بينما تستبيح كل ما هو خارجها. بينما يكاد الطرف المقابل لا يمتلك قيادة، وهي فعلياً صارت عائقا لأي نجاح محتمل، وفارق كبير بينها وبين قيادة ثورة سبتمبر التي لم تسع إلى الثراء والوظيفة العامة مثل هذه.

على المستوى الإقليمي، يبدو اليمنيون، هذه المرة، أكثر خضوعاً لوكلائهم الإقليميين عن جيل الستينيات، مع فارق أن الحوثي، بحكم حفاظه على قوة وحضور داخليين، يمتلك مساحة استقلالية أفضل من حكومة مهاجرة لا حضور داخليا لها.

وأيضاً الفرق على المستوى الإقليمي في مفاهيم التدخل. كانت دوافع التدخل والقتال، في الستينيات، تدور حول مشاريع سياسية (ملكية – جمهورية)، أما الآن فعلى الرغم من محاولات التمويه السياسي للشعارات (مثل مقاومة ضد إسرائيل، وهوية عربية مقابل فارسية)، فهي مشاريع في الأصل مذهبية.

ولهذا قد يحرّر توقف الحرب الحالية الطرف المقابل للحوثي من حلفائه الإقليميين بخلفياتهم المذهبية التي تشوش على مقاصدهم الوطنية، وتقوّي من نقطة ارتكاز الحوثي، وهو القتال على أساس الهوية والعصبية، كما أنها تسقط آخر ما تبقى للحوثي من أعذار وطنية، والمتعاطفون معه لهذا السبب كثيرون، ولا يمكن الاستهانة بهم.

تسير الحرب في اليمن لصالح تعزيز سلطة الحوثي وتطبيق مشروعه، لكن الطبيعة الماضوية لهذا المشروع، والعنصرية التي تتسم بها سلطة أصحابه، لن تسهما في استمراره. ووقف الحرب بشكلها الحالي لا يعني الخضوع للحوثي من دون مقاومة، ولو فكرية وسياسية، طالما لم يتشكل التنظيم والقيادة لهزيمته عسكرياً.

* ميساء شجاع الدين كاتبة يمنية وباحثة في الفكر الإسلامي.

المصدر | العربي الجديد