الجمعة 20 مارس 2020 06:35 م

يبدو أن حملة "أقصى ضغط" التي تقودها إدارة "دونالد ترامب" قد تتوسع لتشمل العراق، بهدف زيادة الألم الاقتصادي الذي تعانيه إيران. ويجب أن تشعر العواصم الأوروبية بالقلق من هذا المسار الأمريكي الجديد، على الأقل نظرا لهشاشة الحكومة العراقية وجهودها لمنع عودة تنظيم "الدولة الإسلامية".

وبعد موجة من تبادل الهجمات العسكرية بين القوات الأمريكية والجماعات المدعومة من إيران في العراق، في يناير/كانون الثاني، تصاعد العنف في البلاد مرة أخرى الأسبوع الماضي.

وشنت هذه الجماعات هجمات على معسكر "التاجي" أسفرت عن مقتل أفراد تابعين للقوات الأمريكية والبريطانية، ما أدى إلى ضربات جوية انتقامية من قبل الولايات المتحدة. ويمكن للحادث أن يدفع إدارة "ترامب" إلى وضع العراق تحت ضغط اقتصادي أكبر، على أمل أن يجبر ذلك البلاد على الابتعاد عن إيران.

العراق.. رئة اقتصاد إيران

وليس من المستغرب أن تنظر الإدارة إلى العراق كوسيلة يمكن من خلالها الضغط على الاقتصاد الإيراني. وأصبح العراق وإيران مترابطين بشكل متزايد في الأعوام الأخيرة. وعلى هذا النحو، يرتفع الاقتصاد أو ينخفض في البلدين معا.

ولبعض الوقت استخدمت إيران العراق في محاولة لتخفيف الضغط الاقتصادي الذي تتعرض له بسبب العقوبات الأمريكية. وبحسب مسؤول أوروبي رفيع تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، حولت هذه الإجراءات العراق إلى "رئة اقتصادية" لإيران.

ومنذ عام 2018، أصبح العراق وجهة تصدير رئيسية للسلع الإيرانية. وبالفعل، تبلغ قيمة التجارة بين البلدين الآن 12 مليار دولار سنويا. ويريد الجانبان زيادة هذا المبلغ إلى 20 مليار دولار سنويا في عام 2021.

وبالرغم من التحركات لتنويع مورديه، لا يزال العراق يعتمد على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية لتلبية ذروة الطلب على الكهرباء في الصيف.

علاوة على ذلك، يسافر نحو 3 ملايين عراقي إلى إيران كل عام بغرض السياحة والعلاج والتجارة وأغراض أخرى، وينفقون هناك العملة الصعبة مثل الدولار الأمريكي، وهو ما تحتاجه إيران بشدة في ظروفها الحالية.

العراق.. بين نارين

ويجد العراق نفسه عالقا بين إيران والولايات المتحدة، على الرغم من استعداده المعلن لتحقيق توازن دقيق بين الشركاء الخارجيين الرئيسيين. ولا تنظر واشنطن بشكل سلبي فقط إلى العلاقة الاقتصادية العراقية مع إيران، لكنها تشعر بقلق متزايد من أن الرياح السياسية في العراق تتحول ضدها.

ومنذ اغتيال "أبو مهدي المهندس"، الزعيم السابق لقوات الحشد الشعبي العراقية، والجنرال الإيراني "قاسم سليماني"، في يناير/كانون الثاني، كان هناك جدل مكثف في العراق حول وجود الجيش الأمريكي.

ورد البرلمان العراقي على عمليات القتل بإصدار قرار يدعو إلى رحيل جميع القوات الأجنبية، مع إشارة خاصة إلى القوات الأمريكية. ويبدو أن الأحزاب السياسية الموالية لإيران عازمة على الانتهاء من ذلك بحلول نهاية العام. وسوف يزيد اندلاع العنف هذا الشهر من تأجيج هذا النقاش.

تهديد بعقوبات أمريكية

في المقابل، أشارت الإدارة الأمريكية إلى أنها مستعدة لاستخدام الإجراءات الاقتصادية لإجبار العراق على اتخاذ موقف أكثر تفضيلا تجاه القوات الأمريكية.

وروج لهذه الخطوة بعض العناصر المتشددة داخل الإدارة، خاصة تلك الموجودة في البيت الأبيض. وحذر الرئيس الأمريكي، العراق من أنه إذا قامت الدولة بطرد القوات الأمريكية، فإن الولايات المتحدة "ستفرض عليهم عقوبات لم يسبق لهم رؤيتها من قبل، ستجعل العقوبات الإيرانية تبدو خفيفة".

وأفادت التقارير أن الولايات المتحدة صاغت بالفعل عقوبات جديدة تهدف إلى ثني الحكومة العراقية عن إصدار قرار بطرد القوات الأمريكية.

وتستهدف نقطة الضغط الرئيسية على العراق الإعفاء الأمريكي من العقوبات المفروضة على إيران، بما يسمح لبغداد باستيراد الغاز والكهرباء اللذين تشتد الحاجة إليهما من إيران. وطرحت الولايات المتحدة فكرة إلغاء الإعفاءات، الأمر الذي سيعرّض العراق للعقوبات الأمريكية لاستيراده مواد الطاقة الإيرانية.

وفي الوقت الحالي، اتفقت الولايات المتحدة والعراق على أرضية وسط، بحيث يتم خفض مدة الإعفاءات من 120 يوما إلى 45 يوما. لكن بالنظر إلى اعتماد العراق على الطاقة الإيرانية، والطريقة التي يمكن أن يؤثر بها انقطاع الإمدادات على السكان، فإن حرمان بغداد من هذه الميزة سيكون له تبعات كارثية.

كما أن العراق معرض للضغوط الأمريكية، لأن احتياطياته من النقد الأجنبي محفوظة في نيويورك. وحذرت الإدارة الأمريكية صراحة من أنها قد تقيد أو تمنع وصول العراق إلى هذه الاحتياطيات.

وفي الواقع، توجد بعض التكهنات بأن الولايات المتحدة ربما سعت بالفعل للقيام بذلك عن طريق تأخير تدفق الأموال إلى العراق في يناير/كانون الثاني، عندما كان السياسيون العراقيون يناقشون مستقبل القوات الأجنبية في البلاد.

وفي وقت انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي سيؤثر بشكل كبير على الإيرادات العراقية، قد يكون عدم الوصول إلى احتياطيات النقد الأجنبي مدمرا.

ولا يعد العراق بالطبع غريبا على العقوبات الأمريكية. فبعد حرب الخليج 1990-1991، فرضت الولايات المتحدة عقوبات بتفويض من الأمم المتحدة على العراق أدت إلى شل اقتصاد البلاد.

وكان لهذه الإجراءات تأثير كبير على البنية التحتية للعراق. وكان هناك نقص كبير في الغذاء، وقيود شديدة على الحصول على الأدوية والرعاية الصحية. لكن هذا الضغط لم يضعف "صدام حسين" أو يخفف قبضته على البلاد، كما لم يفقد سلطته إلا بغزو عسكري. وبالنسبة للعراقيين، فإن شبح العقوبات ينذر بالعودة إلى تلك الأيام.

وسوف يكون تشكيل الحكومة العراقية الجديدة أحد العوامل الحاسمة في تطوير العلاقات العراقية الأمريكية، مع ما يحدده موقف رئيس الوزراء المقبل تجاه العلاقات مع الولايات المتحدة.

ويعد المرشح الأبرز حاليا هو "عدنان الزرفي"، وهو سياسي عراقي أمريكي عمل بشكل وثيق مع سلطة التحالف المؤقتة في العراق بعد عام 2003. ويحاول الآن تشكيل حكومة بحلول منتصف أبريل/نيسان.

ويعتقد على نطاق واسع أنه إذا نجح "الزرفي" في أن يصبح رئيسا للوزراء، فسوف يحاول إعادة بناء العلاقات مع واشنطن. وإذا قامت الولايات المتحدة بتكثيف ضغوطها الاقتصادية على العراق الآن، فلن يكون هذا بمثابة عقاب جماعي فحسب، بل سيخاطر أيضا بتمكين القادة العراقيين المتشددين الذين يعملون ضد أهداف الولايات المتحدة في البلاد.

كما أن لدى الحكومات الأوروبية مصالح كبيرة في العراق، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، وجهود تحقيق الاستقرار في البلاد، وتحسين الظروف المعيشية بطرق تقلل من تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

وعلى هذا النحو، يجب عليهم زيادة جهودهم على وجه السرعة لثني الولايات المتحدة عن ممارسة المزيد من الضغوط الاقتصادية على العراق، من خلال التواصل مع البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأمريكية والكونجرس والبنتاجون.

وعلى العواصم الأوروبية المشاركة في التحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية"، التأكيد على الاهتمام الذي تشترك فيه مع واشنطن وبغداد في منع عودة التنظيم.

وإذا كثفت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على العراق، فإن ذلك سيحرم مؤسسات الدولة من الموارد التي تحتاجها لتوفير الأمن والخدمات الأساسية للسكان المحبطين بشكل متزايد. وسيكون التأثير شديدا بشكل خاص في وقت تنخفض فيه أسعار النفط بشكل هائل.

ويجب أن تشجع واشنطن بغداد على تأكيد سيادتها وإضعاف اعتمادها على جهات خارجية مثل طهران، خاصة في أعقاب الاحتجاجات. ويجب على الأوروبيين أن يتطلعوا إلى دعم هذه العملية من خلال مساعدة العراق في دفع عجلة التنويع الاقتصادي.

لكن، يجب على الأوروبيين أيضا أن يحذروا إدارة "ترامب" من أنه كلما حاولت الضغط بشكل متزايد على بغداد، زاد احتمال عدم الاستقرار الذي يدفع بغداد إلى الاقتراب أكثر من إيران.

المصدر | المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد