كانت الهجرة من صميم تاريخ العرب، سواء حين كانت القبائل تتحرك بحثا عن أراضي ذات موارد، أو حين كان الناس يهربون من الحكم الاستعماري أو الإمبراطوري. ومن هجرات بلاد الشام إلى الولايات المتحدة بين عام 1850 وأوائل القرن العشرين، إلى النزوح الفلسطيني بعد النكبة بعد قيام دولة (إسرائيل)، تعود جذور الشتات العربي لقرون.

وتشمل الأمثلة الأحدث عن الشتات العربي التهجير الذي تسببت به الحروب للاجئين السوريين واليمنيين.

وعبر كتاب حكايات الشتات العربي، غالبا ما تكون الحرب والفشل الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي مقدمة للهجرة. وتخلق قوالب القصص النمطية وراء مجموعات المهاجرين رواية أحادية البعد لهذه القضية المعقدة.

ونادرا ما يتم ذكر دول الخليج في الأدبيات الأكاديمية أو التغطيات الإعلامية لحكاية الهجرة العربية. 

حرية التعبير

وبغض النظر عن الحرب والاقتصاد والاضطرابات السياسية، فإن المحرك وراء الهجرة في دول الخليج العربي كان الصراع بين المجتمع التقدمي والحرس القديم التقليدي. وبالرغم من أنها قضية قد تبدو تافهة إلى جوار أولئك الذين يهربون من دمار الحرب، فإن الافتقار إلى حرية التعبير في مجتمعات الخليج يعد مأساة بحد ذاتها.

وفي دول مثل الكويت والسعودية والإمارات، سواء كانت تبدو ليبرالية أو محافظة في سياساتها، تدفع القيود المفروضة على حرية التعبير الأشخاص البارزين والعاديين على حد سواء إلى مغادرة بلدانهم.

ويظل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، الذي تم اغتياله على يد حكومته، مثالا واضحا على ذلك. وأدت معارضته للحرب على اليمن، وانتقاده للسلطات السعودية الحاكمة، إلى هروبه إلى المنفى الذاتي قبل أن يتم قتله في النهاية.

وعادة ما كانت ممارسة الجرأة بالتشكيك في الوضع الراهن في دول الخليج تتسبب في رد فعل من كلا المجتمعين، إما بالتصفيق من قبل التقدميين، أو محاولات الإسكات من قبل الحرس التقليدي.

وعندما يتعلق الأمر بردود فعل الدولة، يتلخص الأمر في المزيد من الإجراءات القمعية، التي تتراوح بين المقاضاة القانونية والسجن، ما يدفع الكثيرين لاتخاذ قرار بالفرار.

وأفادت "الإيكونوميست"، مستشهدة بتقديرات وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أن 815 سعوديا تقدموا بطلب لجوء في عام 2017، وهو قفزة بنسبة 318% خلال 5 أعوام فقط.

مكاسب وخسائر الشتات الخليجي

ونادرا ما يكون في النزوح غير الطوعي مكسب على المدى القصير، وتظل الهجرة إلى أراضي أجنبية صراعا فريدا من نوعه. ومع ذلك، على المدى الطويل، قد يكون الشتات الخليجي مثمرا بالرغم من الواقع المرير.

ويجد عرب الخليج الذين يعيشون في الخارج الفرصة لسد الفجوة الثقافية مع العرب الآخرين الموجودين بالفعل في الشتات.

على سبيل المثال، يشهد المواطن الخليجي نظرائه العرب الآخرين ينخرطون بحرية أكبر في الواجب المدني والمجتمع المدني في بلدان المهجر ويتعلم من ذلك.

ويوجد مكسب آخر وهو تقليل الصور النمطية المغروسة لدى المجموعات العربية المختلفة عن بعضها البعض بشكل متبادل وسد الفجوة الطبقية بينها. وربما ينظر البعض إلى عرب الخليج، على سبيل المثال، على أنهم متكبرون وأغنياء بشكل مفرط، في حين يرى عرب الخليج المصريين والفلسطينيين مجرد عمال ومقدمي خدمات في دول الخليج.

وبالرغم من أنها قد لا تكون الظروف المثالية، فإن وجود العديد من المجموعات العربية التي تعيش معا في الشتات يمكن أن يربط بين الثقافات والخلفيات المختلفة. وفي دول الخليج، حيث غالبا ما يتم النظر إلى العرب غير الخليجيين بتحيز طبقي، تكون الفرصة أقل لتحقيق هذا الترابط الثقافي.

وفي نهاية المطاف، قد يجد جميع العرب في الشتات الراية العربية الكبرى الجامعة التي تسمح بزرع جذور جديدة، والاتفاق المشترك على أن أوطانهم جميعا قد أخفقت في منحهم الحياة التي يستحقونها بشكل أساسي.

المصدر | يوسف الشمري - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد