الأربعاء 25 مارس 2020 02:46 م

تجاوزت كتلة يمين الوسط التي يسيطر عليها تحالف "أزرق أبيض" عتبة الـ60 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة، وفي 15 مارس/آذار، كلف الرئيس "رؤوفين ريفلين" زعيم الحزب "بيني جانتس" بالقيام بذلك.

وإذا عدنا إلى 20 مارس/آذار، سنجد "جانتس" يقول للمرة الأولى، إنه سيكون على استعداد للجلوس في حكومة وحدة وطنية برئاسة "بنيامين نتنياهو".

حيل الاحتفاظ بالسلطة

يمثل هذا تغييرًا كبيرًا في ترتيبات الأمور، فقد كان من المقرر أن تبدأ محاكمة "نتنياهو" بالفساد الأسبوع الماضي، لكن وزير العدل قضى بإغلاق جميع المحاكم، ظاهريًا بسبب جائحة "كوفيد-19"، وهذا بالتالي أجل محاكمته حتى مايو/أيار على الأقل.

لكن ذلك لم يحيّد بقية عناصر مأزق "نتنياهو".

لإزالة العوائق السياسية التي تحول دون احتفاظ "الليكود" بالسلطة، كان علي "نتنياهو" أن يعرقل التروس التشريعية، وبالفعل كان أول ما فعله في تشكيل حكومة جديدة هو تسمية رئيس جديد للكنيست.

لكن الرئيس الحالي للكنيست من "الليكود"، "يولي إدلشتاين"، أمر بإغلاق الكنيست؛ وبهذا لا يجوز أن تجتمع اللجان، ولا يجوز إجراء أي عمل، بما في ذلك أعمال تشكيل حكومة جديدة واستبداله.

استغل "إيدلشتاين" مرة أخرى حيلة الوباء لتبرير قراره.

وقال المستشار القانوني للكنيست في اجتماع لقادة الحزب إن البرلمان تلقى "قبلة الموت"، مضيفًا: "هذا الوضع لا يشبه أي دولة ديمقراطية أخرى في العالم الغربي، والتي تعاني من الفيروس التاجي مثلما نعاني. عندما نرفض إنشاء هذه المؤسسات (لجان الكنيست)، نقول للعالم أننا ديمقراطية معوقة".

هناك أشياء أخرى مهددة بالخطر هنا تتجاوز منع "أزرق أبيض" من تشكيل حكومة جديدة، لأنها إن فعلت ذلك، فإنها لن تزيل "الليكود" من السلطة فحسب، بل ستؤدي أيضًا إلى مبادرات تشريعية لمنع "نتنياهو" من أن يصبح رئيسًا للوزراء مرة أخرى، مما يزيد من يأس "نتنياهو" وعصابته من "الليكود".

ديكتاتورية "كورونا"

تقدم حالات الطوارئ العالمية، مثل جائحة فيروس "كورونا" المستجد، فرصة للديكتاتوريين والمتطلعين للنفوذ، إذ يصبحون قادة لا غنى عنهم، ومسؤولين، يمكن للمواطنين اللجوء إليهم في ساعة حاجتهم.

وتحت ستار إنقاذ أرواح مواطنيهم، يلقون جانبًا الدبلوماسيات والمواثيق السياسية، ويحكمون بشكل أوتوقراطي. هذا بالأساس ما يفعله "الليكود" الآن.

وصف المؤلف والمؤرخ الشهير "يوفال نوح هراري" هذه المناورات بأنها "ديكتاتورية كورونا الأولى".

لا يوجد دافع غير الديكتاتورية في تجاوز المحاكم والكنيست ودفع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لكشف البيانات الخاصة للمواطنين الإسرائيليين المشتبه في إصابتهم بالفيروس، باسم السلامة العامة.

إذا تم تجريم المرض، فسيتردد الضحايا في التقدم والاعتراف بأنهم مرضى. وهذا من شأنه أن يدفع المرض إلى أبعد من ذلك؛ حيث سيشك الجميع في الجميع.

وجه "نتنياهو" السلطات إلى مراقبة مواقع المصابين بـ"كورونا"، حيث يُمنعون من مغادرة منازلهم ويُحتمل أن يُعاقبوا على ذلك.

تحدد بيانات الموقع الجغرافي أيضًا أي شخص كان على بعد مترين من هؤلاء الأفراد لمدة 10 دقائق أو أكثر، وتوجهه عبر رسالة نصية لوضع نفسه تحت الحجر الصحي، بعدها يفترض أن تزوره الشرطة.

أبلغت صحيفة "هآرتس" عن إحاطة سرية مشؤومة قدمتها وزارة الصحة لأعضاء الكنيست، داعية إلى "الوقف التام للحريات الشخصية"، وعندما امتنعت اللجنة عن منح الوزارة الموافقة الفورية على هذه السلطات، أصدر "نتنياهو" توجيهه الخاص، متجاوزًا السلطة التشريعية.

بعد استئناف من منظمات للحقوق المدنية، أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا يوم الخميس قرارًا بأن إجراءات المراقبة الشاملة لا يمكن أن تستمر دون إشراف برلماني، مما يمنح الحكومة مهلة خمسة أيام لإعداد ذلك.

المواطنون تحت المراقبة

لدى وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلية، "الشاباك"، قاعدة بيانات ضخمة عن السكان الإسرائيليين، وهي لا تحتاج إلى مذكرة للحصول على هذه المعلومات، ويمكنها استخدامها بالطريقة التي تراها مناسبة.

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن وكالة الأمن "كانت تجمع بهدوء ولكن بشكل روتيني البيانات الوصفية للهواتف المحمولة منذ عام 2002 على الأقل"، دون الكشف عن تفاصيل كيفية حماية هذه البيانات.

يمنح قانون الاتصالات، المعدل عام 1995، رئيس الوزراء سلطات واسعة لإصدار أوامر لشركات الهاتف للسماح بالوصول إلى مرافقها وقواعد بياناتها، كما إن المادة 11 من قانون وكالة الأمن الإسرائيلية، الصادر عام 2002، تسمح لرئيس الوزراء بتحديد نوع من المعلومات المطلوب من "الشاباك" عن مشتركي الهواتف المحمولة، وفق ما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز".

وأشارت الصحيفة إلى أنه "منذ عام 2002، قال مسؤول كبير سابق في وزارة العدل، إن رؤساء الوزراء طلبوا من شركات الهواتف المحمولة أن تنقل إلى الوكالة مجموعة واسعة من البيانات الوصفية عن المشتركين فيها".

وأضافت: "رفض المسؤول تحديد فئات البيانات التي يتم توفيرها أو حجبها، لكن البيانات الوصفية تتضمن هوية كل مشترك أو مستلم أو بادئ لكل مكالمة، والمدفوعات التي تتم على الحساب، بالإضافة إلى معلومات تحديد الموقع الجغرافي التي يتم جمعها عندما تتواصل الهواتف مع أبراج الإرسال الخلوي".

في الولايات المتحدة، تسبب "إدوارد سنودن" في أزمة للأمن القومي، أما في إسرائيل، فقد كانت السلطات تتمتع بسلطة وتحكم أكبر بكثير في مثل هذه البيانات لعقود، دون أي إشراف أو ملاحقة تقريبًا.

ديموقراطية سطحية

لماذا يسعى "الليكود" إذن لانقلاب ناعم بدلًا من انقلاب فج؟ لأنه لا الجيش ولا المخابرات سيدعمان انقلابًا واضحًا لإبقاء "نتنياهو" في السلطة.

إنهم يعارضون عمومًا ميل "قيادة الليكود" للمغامرة العسكرية، ليس لأنهم ليبراليون أو إنسانيون، ولكن لأن لديهم احترامًا معينًا للتقاليد السياسية.

علاوة على ذلك، فهم يعترفون بأن "الليكود" فاسد، وتسليمه البلاد إلى الأبد يعني الدمار.

في هذه الأثناء، يستأنف حزب "أزرق أبيض" على قرار "إيدلشتاين" بإغلاق البرلمان أمام المحكمة العليا، لم تنجح الحكومة بعد في إنهاء السلطة القضائية بالكامل.

على الرغم من أن المرء يأمل أن ترى المحكمة حقيقة هذه الخدعة، فهذا غير مضمون على الإطلاق، حيث تم تعيين العديد من القضاة من قبل "الليكود".

حتى لو فضحت المحكمة تمثيلية "نتنياهو" واستعادت بعض الحياة الطبيعية للعملية السياسية، دعونا لا نرتكب خطأ تنفس الصعداء والاحتفال بانتصار الديمقراطية الإسرائيلية.

هذا بلد لا تتجاوز فيه مثل هذه القيم عُمق السطح، هذا إن كانت موجودة أصلًا.

إذا تقدمت الأمور خطوة صغيرة للأمام، كما حدث عندما اتفق حزب "أزرق أبيض" على تشكيل حكومة بدعم من القائمة الفلسطينية المشتركة، فسوف تلغيها تراجعات أخرى أكبر، مثل احتمال تشكيل حكومة وحدة يرأسها "نتنياهو"، وهذا بالضبط ما حدث.

المصدر | ريتشارد سيلفرستين - ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد