الجمعة 27 مارس 2020 01:38 م

إلى أين تتجه الصين؟

إن انتصرت الصين فنحن أمام عالم أكثر انغلاقا وأقل حرية، وبلا شك أكثر فقرا.

سيساهم المنتصر في الحرب ضد كورونا فى كتابة التاريخ وتحديد شكل المستقبل.

أكدت تطورات الأزمة مخاوف واشنطن من أن الصين تقترب وتصمم على مزاحمتها على سلم الريادة العالمي.

المنافسة الأمريكية الصينية ليست مباراة صفرية بل هى أكثر تعقيدا إذ يجمعهما تعاملات تجارية تفوق سبعمائة مليار دولار سنويا

ترجم البعض التعامل الصينى الصارم مقابل الارتباك الأمريكى فى التعامل مع أزمة كورونا كبداية تحول الدفة بعيدا عن أمريكا والتوجه للصين.

*     *     *

كشفت مشادة غير مألوفة بين دبلوماسيين صينيين حكوميين عن خلاف فى بيكين حول كيفية إدارة الأزمة المستمرة مع واشنطن.

وعبر كوى تيانكاى، سفير الصين فى واشنطن، عن معارضته للنظريات الصينية التى تدعى أن فيروس كورونا اخترعه مختبر عسكرى أمريكى، وذلك رغم أن زاو ليجيان المتحدث باسم الخارجية الصينية قد كرر هذه الفكرة عدة مرات أخيرا عبر تطبيق تويتر.

من ناحيته أطلق الرئيس دونالد ترامب على كورونا اسم «الفيروس الصينى»، وألقى باللوم على الصين بسبب تسترها ومحاولة خداع العالم بخصوص فيروس كورونا خلال أسابيع انتشاره الأولى.

وتُحمِّل الكثير من الدوائر الأمريكية الصين مسئولية انتشار فيروس كورونا حول العالم برفضها مشاركة العالم ما لديها من معلومات فى فترة مبكرة بعد انتشار الوباء داخل أراضيها، والسماح لملايين الأشخاص من كل دول العالم بالسفر إلى ومن مدينة ووهان الموبوءة.

ويلقى الكثير من الأمريكيين باللوم على الصين لتسترها على حقيقة انتقال الفيروس بين الأشخاص خلال الأسابيع الخمسة الأولى من انتشار الوباء، ويحملها البعض المسئولية عما شهده العالم ويشهده من اضطراب وفقدان عشرات الآلاف من الأبرياء بالموت، إضافة لإصابة مئات الآلاف حتى وقتنا هذا.

*     *     *

ودفعت تطورات أزمة انتشار فيروس كورونا، والتى لا يماثلها أى أزمات فى التاريخ المعاصر من حيث طبيعتها وامتداداتها وتأثيراتها الممتدة غير المعروفة، إلى إلقاء الضوء على عمق التناقضات التى تجمع بين الدولة الأقوى فى عالم اليوم من ناحية، ومن ناحية أخرى الدولة التى تسعى لإزاحتها وأن تحل مكانها.

ولا شك أنه من المبكر الحكم على شكل العالم عقب انتهاء أزمة كورونا التى يوجد يقين واحد حولها وحول تبعاتها وتأثيراتها، ألا وهو «غياب أى يقين».

وأكدت تطورات الأزمة مخاوف واشنطن من أن الصين تقترب وتصمم على مزاحمتها على سلم الريادة العالمى تكنولوجيا واقتصاديا وربما عسكريا، نجحت الصين ذات المليار ونصف المليار نسمة، والتى تعرف تنوعات عرقية واثنية لا تحصى، أن تخلق كيانا مستقرا سياسيا، يحقق نموا اقتصاديا لم يقل عن 7% خلال العقد الأخير مما دفع بها لتصبح أكبر مستورد لمصادر الطاقة والمواد الخام لحاجتها الكبيرة فى القطاعات الصناعية الإنتاجية والاستهلاكية.

وطبقا لبيانات حكومية أمريكية، فقد أنفقت الصين 279 مليار دولار على الأبحاث والتطوير فى العام الماضى بزيادة 14% عن العام السابق له، ولا يسبق الصين إلا الولايات المتحدة فى هذا المجال.

أما بالنسبة للمجالات الأخرى التى تقيس تقدم الدول حاليا وفى المستقبل القريب فنحن نشهد منافسة غير مسبوقة فى سرعتها وطبيعتها بينهما فى مجالات مثل الذكاء الاصطناعى، أو تصميم روبوتات تقوم بالكثير من المهام الإنسانية وغير الإنسانية.

ولا يمر يوم واحد بدون حدوث تطور فى هذه المجالات، ولا يمر يوم دون أن تعرض صحف أمريكية أخبارا عن صناعات وابتكارات الصين فى هذه المجالات الحيوية.

كما دشنت الصين رسميا مبادرة «الحزام والطريق» لإحياء طريق الحرير التاريخى بصورة معاصرة تنفق خلالها بكين تريليونات الدولارات فى استثمارات فى البنى التحتية فى عدة دول على طول طريق الحرير الذى يربطها بالقارة الأوروبية.

إضافة لطريق آخر بحري يصلها بأوروبا مرورا بقناة السويس، ولا يقصد بالبنية التحتية ما يعرف عنها تقليديا من طرق وكبارى وأنفاق وشبكات كهرباء ومياه فقط، بل يمتد ليشمل طريقا رقميا يضمن التأسيس لطرق رقمية سريعة Super Digital Highways.

*     *     *

قبل نهاية عام 2019، أزاحت الاستخبارات العسكرية الأمريكية للمرة الأولى الستار عن تقرير يتناول بالتفصيل القدرات العسكرية والاستخباراتية للصين وسعيها الدائم لتطويرها، وتصدر الوكالة تقييمها لقدرات الصين بصورة شديدة السرية؛ حيث لم يسمح بنشر محتوى تقاريرها السابقة التى كان يطلع عليها عدد محدود فقط من كبار المسئولين.

ويتحدث التقرير تحت عنوان «قوة الصين العسكرية.. تحديث القوات للقتال وتحقيق النصر»، عن الصعود العسكرى الصينى من خلال رصد عدة ظواهر من أهمها الزيادة الكبيرة التى تشهدها الميزانية العسكرية للصين مقارنة بالأعوام السابقة.

فقد تخطت ميزانية الصين العسكرية 170 مليار دولار عام 2019 بعدما بلغت فقط 77 مليارا عام 2007، السلوك العدائى المتصاعد للصين فى بحر الصين الجنوبى، واستيلاؤها على عدد من الجزر التى هى محل خلاف مع بعض جيرانها مثل فيتنام والفلبين.

وفى سابقة مهمة، فصل التقرير هيكل أجهزة الاستخبارات الصينية، وذكر أفرع قواتها المسلحة، وخرائط انتشار قواعدها العسكرية داخل البلاد، وتتكون المخابرات الصينية من جهاز المخابرات المدنية، مخابرات العمل السياسى، المخابرات العسكرية، الأمن الداخلي، وحدات الإشاعات والتضليل، وأخيرا الاستخبارات الإلكترونية.

كما حظيت طبيعة وتركيبة الأكاديميات العسكرية الصينية وهيكل الأذرع العسكرية الرئيسية والقوات شبه العسكرية بمساحة واسعة من التقرير.

وتحدث التقرير كذلك عن العقيدة العسكرية للصين؛ حيث ذكر أنها لم تترجم بعد لمحاولة الانتشار العالمى بصورة مماثلة للولايات المتحدة.

وتستهدف الصين فى الوقت الراهن ثلاثة أهداف تتعلق بحماية حدودها البرية والبحرية الطويلة، كما تمثل حماية طرق الملاحة التجارية أحد أهم أهدافها، خاصة مع استمرار اعتمادها الكبير على التجارة عبر المحيطات لتوفير موارد الطاقة التى لا ينمو الاقتصاد الصينى دونها.

*     *     *

لن تعتبر المنافسة الأمريكية الصينية مباراة صفرية، بل هى أكثر تعقيدا؛ حيث يجمعهما تعاملات تجارية تفوق قيمتها سبعمائة مليار دولار سنويا (مليارى دولار يوميا).

وتستضيف الجامعات الأمريكية ما يزيد على 350 ألف طالب صينى، ويستمتع بالسياحة فى الدولتين ملايين الأمريكيين والصينيين، ويقلل كل ذلك من وقوع مواجهة شاملة تقليدية بين الدولتين.

ورغم أنه من المبكر الجزم بشكل العالم عقب أزمة كورونا المستمرة، ترجم البعض التعامل الصينى الصارم مقابل الارتباك الأمريكى فى التعامل مع أزمة كورونا كبداية تحول الدفة بعيدا عن أمريكا والتوجه للصين.

وسيساهم المنتصر فى الحرب ضد كورونا فى كتابة التاريخ وتحديد شكل المستقبل، وإن انتصرت الصين فنحن أمام عالم أكثر انغلاقا، وأقل حرية، وبلا شك أكثر فقرا.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية