السبت 28 مارس 2020 08:06 ص

وسط تفشي جائحة "كورونا"، تواجه الدول في جميع أنحاء العالم اضطرابات واسعة النطاق، ليس فقط في ملف صحة سكانها واقتصاداتها، لكن بشأن جيوشها أيضا.

وحتى إذا لم يتسبب الفيروس في وفاة شخصيات بارزة، فإن إجراءات الحجر الصحي قد تحبط بشدة العمليات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، قد تضطر القوى العسكرية الكبيرة مثل الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى سحب قوات إضافية من الخطوط الأمامية للمشاركة في مواجهة تفشي الفيروس في الداخل.

وقد ينتج عن ذلك تداعيات مثل حدوث انتكاسات في القتال ضد العديد من الجهات الفاعلة من غير الدول في الخارج، وربما حتى يؤثر على تطوير القدرات العسكرية على المدى الطويل.

  • القيود التشغيلية

وسيكون لشرط عزل القوات عند الإقامة في القواعد تأثير مباشر على الاستعداد العسكري. وظهر هذا الأمر لأول مرة في كوريا الجنوبية، عندما تم تسجيل إصابة داخل قاعدة عسكرية أمريكية.

وحتى إذا لم ينتشر المرض على نطاق واسع بين أفراد جيش بلد ما، يمكن لإجراءات الحجر الوقائي وإجراءات العزل الاجتماعي أن تعطل بسرعة جزءا كبيرا من الأنشطة العسكرية التي تعتمد عادة على أعداد أكبر من الأفراد.

وكانت الاضطرابات الأولى من هذا النوع ملحوظة بالفعل في غرف العمليات الأمريكية في العراق؛ حيث قامت الولايات المتحدة مؤخرا بإعادة ترتيب قواتها في عدد أقل من القواعد لعدة أسباب منها الحد من تعرضهم للفيروس. كما علقت القوات الهولندية والبريطانية أنشطة التدريب مع القوات العراقية المحلية لأسباب مماثلة.

أيضا، حدت القوات الأمريكية مؤخرا من مشاركتها في تدريبات "ديفيندر يوروب" المخطط له منذ فترة طويلة، والذي كان من المخطط أن تشهد أكبر انتشار متزامن للقوات الأمريكية في أوروبا منذ أكثر من 25 عاما.

وإضافة إلى جهود العزل، فإن احتمال تفشي "كورونا" بشكل كبير داخل التشكيلات العسكرية في الميدان له عواقب معقدة أيضا. وقد لا يشل مثل هذا التفشي القدرة على تنفيذ عمليات جديدة فحسب، بل قد يعيق قدرة الوحدات المصابة عن مواصلة العمليات القائمة.

وقد تعاني بعض الوحدات أو التشكيلات من عدم تلبية الاحتياجات الطبية اللازمة. وينطبق هذا بشكل خاص على عمليات النشر الصغيرة والبعيدة، التي لا يزال العديد منها يعمل تحت راية "الحرب العالمية على الإرهاب".

ومع مرض الجنود، وانخراط آخرين في رعايتهم، قد يصبح من غير الممكن حتى للوحدات المنتشرة ضمان أمنهم الخاص بدرجة موثوقة. ورغم أن معظم الأفراد العسكريين أقل عرضة للإصابة بمرض شديد بسبب الفئة العمرية الشبابية واللياقة البدنية، فإن الحالات الخطيرة من "كورونا" لا يزال من المتوقع إحصائيا أن تحدث داخل الجيوش؛ ما يجعل جهود الاحتواء ضرورية.

وبالنسبة لبعض العمليات العسكرية، مثل عمليات القوات البحرية، قد تكون جهود الحجر الصحي أسهل من غيرها.

كانت إيطاليا، على سبيل المثال، سريعة في عزل اثنين من سفنها البحرية في وقت مبكر من تطور أزمة "كورونا"، كما فرضت البحرية الأمريكية قيودا للحد من الوصول للموانئ، مع ترك 14 يوما على الأقل من الحجر الصحي بين كل زيارتين للميناء.

ومن خلال تجنب زيارات الميناء والحجر الذاتي في البحر، يتم تقليل فرصة حدوث إصابات خارجية بشكل كبير، لكن الاحتمالات تبقى حاضرة، كما يتضح من التشخيص الأخير لـ3 بحارة على متن حاملة الطائرات "يو إس إس تيودور روزفلت" بعد زيارة لميناء  في فيتنام.

وفي حالة وقوع إصابة داخل سفينة بحرية فإن المرض يمكن أن ينتشر بسرعة، كما يتضح من عدوى "كورونا" المبلغ عنها على السفن السياحية.

وقد لا تتمكن المرافق الطبية الموجودة على متن السفينة من معالجة عدد المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مكثفة بشكل كافٍ. ويثير هذا مرة أخرى تحديات لوجيستية في شكل مساعدة خارجية أو عمليات إجلاء.

ولا يمكن ببساطة تبديل أطقم السفن العاملة، أو على الأقل يجب تنفيذ تطهير شامل قد لا يكون من الممكن القيام به في البحر. وينطبق هذا بشكل خاص على الأساطيل البحرية التي بالرغم من عزلها نسبيا، لا يمكن اعتبارها محصنة بالكامل من تفشي المرض.

ومن المرجح أن تصبح السفن المتضررة من تفشي المرض غير متاحة للعمل نتيجة لذلك؛ ما قد يقلل مؤقتا من القدرات البحرية في مناطق معينة من مسرح العمليات.

ويمكن أن تنشأ اضطرابات مماثلة أيضا في الأصول العسكرية عالية التخصص. وإضافة إلى الوحدات الطبية، فإن صفوف الطيارين المقاتلين وقوات العمليات الخاصة وموظفي الدعم الفني المتخصص والمقاولين عرضة لقيود الحجر الصحي.

وسيكون لخسارة الاستعداد التشغيلي لدى هذه الوحدات عواقب مباشرة جدا على القدرات العامة للجيش الأمريكي وحلفائه على المدى القصير.

ولا تعد هذه الوحدات حاسمة بالنسبة لجهود مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة فقط، ولكن أيضا في توفير قدرة الاستجابة في مختلف النقاط الساخنة حول العالم، بما في ذلك كوريا الشمالية وإيران وسوريا والمناطق القريبة من الحدود الروسية.

ويبدو أن تفشي "كورونا" يتحرك أيضا في جميع أنحاء العالم بالتسلسل، بدءا بتلك البلدان الأقرب إلى الصين، مركز التفشي الأول. على سبيل المثال، بدأت كوريا الشمالية بالفعل في إحياء مناوراتها العسكرية في مارس/آذار، بعد أن تم إغلاقها بشكل كبير خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط. وفي غضون ذلك، بدأت الولايات المتحدة للتو في تنفيذ إجراءات تأمين واسعة النطاق.

ومع وجود إشارات على أن الصين تتخطى الآن ذروة الأزمة، تستعد الولايات المتحدة لارتفاع متوقع في حالات "كورونا"، ويمكن أن يخلق الاختلاف في التوقيت والتأثير فرصا مؤقتة لبعض البلدان في المسارح الإقليمية الخاصة بها.

وإذا أصبحت قدرة الرد العسكري محدودة للغاية، حتى لو كان ذلك فقط في مسرح معين، فإن حسابات صانعي السياسة ستكون مقيدة بشكل كبير.

  • مخاطر ما دون الحرب

لا يقتصر التأثير المحتمل لـ"كورونا" على العمل العسكري المباشر. وفي الدول التي تحتاج المساعدة لتعزيز قدرتها على الاستجابة بسرعة لانتشار المرض وعواقبه الطبية، تتزايد الحاجة لتشكيلات عسكرية لمساعدة الإجراءات الأولية وإنفاذ تدابير الحجر الصحي.

على سبيل المثال، بدأت إيطاليا وألمانيا وفرنسا في الاعتماد على العسكريين لإنشاء مرافق طبية إضافية ونقل المصابين، من بين قائمة طويلة من المسؤوليات الأخرى.

ومع تفاقم الأزمة، تصبح التشكيلات الكبيرة غير متاحة للدفاع عن الوطن أو عمليات الانتشار المحتملة. وقد لا يغير هذا بالضرورة التوازن العسكري بين الدول، حيث يبدو أن أزمة "كورونا" لم تترك حتى الآن أي قوة عسكرية لم تؤثر بها. وقد أوقفت روسيا، على سبيل المثال، تدريباتها في المناطق الحدودية كإجراء احترازي ضد التعرض لـ"كورونا"، بالرغم من المعاناة من عدد أقل من الحالات مما هو عليه في دول "الناتو".

إضافة إلى القدرات العسكرية الموجهة نحو الموازنة ضد دول أخرى، فإن العمليات ضد الجماعات المتمردة والخلايا الإرهابية ستتوقف بشدة. وبسبب طبيعتها غير المتكافئة، فإن هذه المنظمات المتشددة لن تواجه نفس النوع من العبء أو المسؤولية الواقعة على عاتق الدولة بسبب الوباء.

ونظرا لاستنزاف القوات في الدعم المدني لجهود مكافحة الفيروس، أو الاضطرار إلى إلغاء الفعاليات التدريبية أو الاستعدادات التشغيلية، فقد تتوقف القدرة على تدوير القوات إلى المسارح ذات الصلة مؤقتا. وحتى عندما لا تكون القدرة مشكلة، فإن نشر القوات في الخارج وإعادة الآخرين يحمل خطرا كبيرا لانتشار العدوى.

وأوضحت أزمة فيروس "إيبولا" في غرب أفريقيا في 2014-16 هذا الخطر؛ حيث أصبح أفراد حفظ السلام غير قادرين على التناوب داخل وخارج المناطق غير المتأثرة خوفا من انتشار المرض.

  • الآثار طويلة المدى

كما ستؤثر التداعيات الاقتصادية للوباء على صناعة الدفاع والميزانيات العسكرية بعد فترة طويلة من تراجع تفشي "كورونا". وعلى وجه الخصوص، قد يواجه قطاع الطيران العسكري، الذي يتداخل بشكل كبير مع صناعة الطيران المدني، انتكاسة كبيرة؛ بسبب الأضرار المتراكمة على صناعة الطيران العالمية.

وستتأثر جوانب أخرى من صناعة الدفاع أيضا؛ حيث يمنع التباعد الاجتماعي السفر والتعاون وحتى اختبار أسلحة جديدة. وسيفرض هذا تأخيرات وتجاوزات في التكاليف للمشاريع الجارية.

وعلى سبيل المثال، جرى تأجيل الاختبارات لنظام إدارة المعركة المتقدم في القوات الجوية الأمريكية، من أبريل/نيسان حتى يونيو/حزيران بسبب "كورونا".

كما توقفت أحواض بناء السفن البحرية عن العمل في دول مثل إيطاليا وكندا؛ ما قد يؤخر تسليم السفن البحرية الجديدة ويعطل صيانة السفن الموجودة طوال فترة التفشي.

وستزداد المخاطر المالية الناتجة عن هذه الاضطرابات بشكل أكبر من خلال إمكانية انكماش الاقتصادات في أعقاب التدابير لاحتواء تفشي المرض، والتي من المحتمل أن تؤثر أيضا على الإنفاق الدفاعي في العديد من البلدان.

ولا يعني هذا أن ميزانيات الدفاع ستنكمش بالضرورة رغم اعتمادها على أولويات الإنفاق الخاصة بكل دولة على حدة، لكن لا يمكن استبعاد مثل هذه النتيجة.

وستؤدي الميزانيات المقيدة أيضا إلى تحويل داخلي للموارد، وتسريع محتمل لخطط خفض أو سحب القوات من مواقع ما وراء البحار.

وبين هذه الآثار طويلة المدى على تطوير القدرات العسكرية، وكذلك الاضطرابات قصيرة المدى في غرف العمليات، فإن الأوبئة مثل "كورونا" تنطوي على خطر منح فرصة مجانية بشكل مؤقت لأنشطة الجهات الفاعلة من غير الدول في جميع أنحاء العالم، وربما حتى نكسة دائمة في العديد من المسارح النشطة.

وبالنظر لدور القوات العسكرية في تنفيذ سياسات الأمن الخارجية والداخلية، وكذلك دورها في دعم جهود الاستجابة الإنسانية بشكل مباشر، فإن ذلك يجعلها واحدة من نقاط الضعف الرئيسية للدول الحديثة في وقت تفشي الأوبئة.

المصدر | سيم تاك/ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد