الاثنين 30 مارس 2020 03:08 م

يبدو أن النهج الأمريكي تجاه العراق أصبح أكثر صرامة هذه الأيام، بينما تأتي المجاملات الدبلوماسية والحديث عن "الشراكة الاستراتيجية" مغلفة بالوقائع والتحذيرات الواقعية.

ويعتبر تفسير ذلك واضحا، فقد جعلت إيران من العراق ساحة معركة، وقتلت الميليشيات المدعومة من إيران في العراق الأمريكيين مرتين في ديسمبر/كانون الأول، ومرة ​​أخرى هذا الشهر.

وكانت القوات الأمريكية عرضة للهجمات من وكلاء إيران أو إيران نفسها، وفي ديسمبر/كانون الأول أيضا، نظمت الميليشيات المدعومة من إيران حشودا لمهاجمة السفارة الأمريكية في بغداد، ولم تكن قوات الأمن العراقية حاضرة في البداية.

وقال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، "ديفيد شينكر" الأسبوع الماضي: "إن الحكومة العراقية في مرحلة اتخاذ القرار".

وتأتي سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق الآن في شكل من أشكال "نحن أو هم"، وتشير "هم" بالطبع لـ"إيران".

ويعتمد مستقبل العلاقات العراقية الأمريكية على خيارات العراق، ولا يمكن أن يكون هناك ادعاءات بشأن التزام العراق بـ"حياد سويسري".

وأظهرت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" حتى الآن إدراكا لحقيقة أن العراق لا يمكنه تغيير حدوده مع إيران، وأن الصراع الشامل ليس في مصلحة أحد.

علاقة أمنية مضطربة

وتريد كل من الولايات المتحدة والعراق استمرار العلاقة الأمنية بين البلدين، وحتى أولئك الذين قد يظهرون نبرة قومية في العلن، فغالبا ما يقدّرون الشراكة في السر.

وفي عام 2014، حكم تنظيم "الدولة الإسلامية" مساحات واسعة من الأراضي العراقية. وفي العام الماضي، أعلنت إدارة "ترامب" هزيمة التنظيم في العراق وسوريا، فيما استغلت إيران الأزمة من أجل تعزيز أجندتها الطائفية، وأسست نفسها بشكل أعمق في المؤسسات الأمنية العراقية، ما أضر بالسيادة العراقية.

وبينما تتفق الولايات المتحدة والعراق والدول الشريكة على ضرورة الاستمرار في العمل ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، لا يوجد ضمان لاستمرارية الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق إلى ما بعد مهمة مكافحة التنظيم.

وفي هذا السياق، فإن إعادة انتشار الأفراد والمعدات العسكرية الأمريكية، ونقل السيطرة على بعض القواعد إلى قوات الأمن العراقية، يجب ألا يكون مفاجأة، حيث إن منطق توزيع القوات الأمريكية في العراق مصمم بغرض ردع إيران وليس للتصعيد.

وبعد هجوم إحدى الميليشيات في 12 مارس/آذار على قاعدة عسكرية في "معسكر التاجي" في العراق، الذي قتل أمريكيين، أخبر وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" رئيس الوزراء العراقي المؤقت "عادل عبدالمهدي" أنه يجب على العراق الدفاع عن القوات الأمريكية وقوات التحالف، ويجب محاسبة الجماعات المسؤولة عن الهجمات، وإلا فإن الولايات المتحدة ستتولي الأمور بنفسها، ما يعني الرد العسكري.

وأشار الرئيس العراقي "برهم صالح" إلى الهجمات على "التاجي" على أنها عمل إرهابي، وأضاف في وقت لاحق أن "الضربات الانتقامية الأمريكية تمثل إضعافا خطيرا ومنهجيا لقدرة الدولة وسمعتها، وتهدد بإغراق العراق في الفوضى والعنف".

تجنب انهيار الدولة

وقال "صالح" في مقابلة مع "المونيتور"، قبل أيام فقط من بدء المظاهرات الحاشدة في العراق في 1 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إن توفير فرص عمل للشباب العراقي أولوية ملحة.

وسعى "صالح" إلى التحرك نحو برنامج إصلاح، ومحاولة تلبية طموحات المتظاهرين ضمن قيود السياسة العراقية.

وقد أصبحت هذه المهمة المستحيلة أكثر صعوبة بالفعل، مع ظهور وباء "كوفيد-19" وانخفاض أسعار النفط.

ووصلت عدد الإصابات بفيروس "كورونا" المستجد نحو 458 حالة، فضلا عن 40 حالة وفاة، حتى 27 مارس/آذار، وتقدم الولايات المتحدة 670 ألف دولار لمساعدة العراق على محاربة الفيروس.

وتبلغ مسودة ميزانية 2020، المعلقة أمام البرلمان، 135 مليار دولار، بعجز 40 مليار دولار، على أساس سعر بيع 56 دولارا لبرميل النفط، ومع ذلك، تقترب أسعار النفط الآن من نصف ذلك.

لذلك لا يمكن استبعاد فشل الدولة العراقية.

لعبة الإصلاح

لا يمكن فصل لعبة الإصلاح العراقية طويلة المدى عن التأثير الخبيث والفاسد لإيران، وقد فهم متظاهرو العراق هذا، وكانت رسالتهم البارزة هي إنهاء الفساد والنفوذ الإيراني.

وهاجم المتظاهرون مكاتب الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران، وتم قتل أكثر من 600 متظاهر، وأصيب الآلاف، على أيدي قوات الأمن العراقية والجماعات المسلحة الموالية لإيران منذ بدء المظاهرات في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وغيرت الحركة الاحتجاجية المجال السياسي العراقي، ما جعل النخبة الطائفية الحاكمة، المدعومة من إيران، أكثر اعتمادا على العنف والفساد.

ولن تتخلى إيران بالطبع عن العراق بدون قتال. ويعتبر العراق من أهم أولويات الأمن القومي الإيراني. وبالطبع فإن طهران ووكلائها على استعداد لتحمل درجة عالية من العنف على الأراضي العراقية وحكم مجرد أنقاض إذا اضطرت إلى ذلك.

ومن جانبها، لن تتخلى إدارة "ترامب" عن العراق، لكن واشنطن تتطلع إلى أن يتخذ العراق بعض الخيارات الصعبة.

ومددت إدارة "ترامب" هذا الأسبوع الإعفاءات من العقوبات على العراق بسبب احتياجاته من الكهرباء، بينما عاقبت 20 فردا وجماعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وغيره من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق، بما في ذلك المشاركين في قطاع الكهرباء في العراق.

وسيكون أحد المؤشرات المهمة على مستقبل العراق ما إذا كان رئيس الوزراء المكلف "عدنان الزرفي"، الذي يقال إنه يجد معارضة من حلفاء إيران في العراق، سيستطيع تشكيل حكومة بحلول 17 أبريل/نيسان أم أن انشغال إيران بأزمة الفيروس التاجي لن تمنعها من مواصلة عرقلة استعادة السيادة العراقية.

المصدر | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد