الثلاثاء 31 مارس 2020 04:20 ص

صفقة غانتس: عودة الأبن الضال إلى الحظيرة

أصبحت كورونا أم الذرائع للدخول مع نتنياهو في حكومة طوارئ.

عاد غانتس إلى الحظيرة طائعاً وراضياً أكثر من كونه صاغراً ومجبرا.

عودته ليست غريبة عن تاريخ دولة الاحتلال ولا جديدة على سلوك الساسة الإسرائيليين.

الحرب على غزة أكبر مفاخر غانتس العسكرية ووافق على «صفقة القرن» وسياسات الاستيطان والضم.

*     *     *

لم يعمّر تحالف «أزرق أبيض» الإسرائيلي أكثر من 13 شهراً فانهار مؤخراً مثل قصر من الكرتون إزاء الصفقة التي عقدها رئيسه بيني غانتس مع رئيس حكومة تصريف الأعمال بنيامين نتنياهو، وتسببت في انسحاب يائير لبيد وموشيه يعلون من القيادة الثلاثية للتحالف.

فلم يبق في الميدان إلا غانتس نفسه وحفنة من النواب الموالين له. ولم يُشيع التحالف قصير العمر إلى سلة مهملات التاريخ من دون لجوء مؤسسيه إلى تراشق الاتهامات، فقال لبيد إن غانتس «استسلم من غير قتال»، وأنه «قرر اليوم تفكيك أزرق أبيض والزحف ركوعاً إلى حكومة نتنياهو»، وزميله يعلون اتهم الثنائي غانتس ونتنياهو باستغلال أزمة كورونا لتحقيق مكاسب سياسية.

لكن الصفقة تنطوي على أبعاد أعمق من مجرد اقتسام غنائم كورونا السياسية أو بلوغ تسوية تخرج دولة الاحتلال من استعصاء ثلاثة انتخابات تشريعية لم تسمح بولادة حكومة جديدة، وأبقت نتنياهو في السلطة رغم خضوعه لاتهامات قضائية بالرشوة والاحتيال وخيانة الثقة.

أول الأبعاد هو اختلال العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية في دولة الاحتلال، التي تتباهى بأنها «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن لجأ نواب معارضون إلى المحكمة العليا ضد قرار رئيس الكنيست يولي إدلشتاين بإغلاق الجلسات.

ففضل الأخير تقديم استقالته بدل الامتثال لقرار المحكمة بفتح الكنيست. وهكذا كان غانتس قد سعى إلى تضييق الخناق على نتنياهو في الكنيست، فانتهت به الحال إلى الإشراف بنفسه على إنقاذ زعيم الليكود بعد الصفقة التي أتاحت انتخاب زعيم المعارضة رئيساً للكنيست.

ثاني الأبعاد هو مقدار استعداد الساسة الإسرائيليين للحنث بوعود انتخابية حتى إذا كانت بمثابة العمود الفقري في برامجهم السياسية، أو كانت الركيزة الكبرى وراء التفاف الأنصار حولهم والتصويت لهم، مثل التزام «أزرق أبيض» وغانتس شخصياً بعدم العمل في حكومة يترأسها رجل يخضع لاتهامات قضائية مشينة.

وهذه الصفة تسري في الواقع على الغالبية الساحقة من الساسة الإسرائيليين أصحاب الوعود الطنانة، فقد انكشف أيضاً زيف الخطوط الحمراء التي رسمها أفيغدور ليبرمان، بعد موافقته على المشاركة في حكومة يمكن أن يترأسها ليكودي آخر غير نتنياهو شخصياً والتنازل عن الكثير من اشتراطاته «العلمانية» بصدد الحياة اليومية.

البعد الثالث هو أن أبناء الصهيونية الذين يقودهم هذا الخط المعارض أو ذاك الطموح الانتهازي إلى الخروج من الحظيرة والانشقاق مؤقتاُ عن أعراف القطيع، لن يطول بهم الأمد قبل أن يثوبوا إلى «الصواب» والعودة إلى الانضباط بالثوابت الكبرى.

فهذا الجنرال الذي قاد حركة معارضة نتنياهو خلال ثلاثة انتخابات تحت شعار رفض العمل معه، وبدا وكأنه يدخل التاريخ عبر التقاط صورة مع نواب «القائمة المشتركة» العرب، وقبل تكليف الرئيس الإسرائيلي بمحاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية، تذكر أن الحرب على غزة كانت أكبر مفاخره العسكرية، وأنه وافق على «صفقة القرن» وسياسات الاستيطان والضم، وأن كورونا يمكن أن تكون أم الذرائع للدخول مع نتنياهو في حكومة طوارئ.

وهكذا عاد غانتس إلى الحظيرة، طائعاً وراضياً أكثر من كونه صاغراً ومجبراً، ولا عجب في عودته لأنها ببساطة ليست غريبة عن تاريخ دولة الاحتلال، ولا جديدة على سلوك الساسة الإسرائيليين.

المصدر | القدس العربي