الثلاثاء 31 مارس 2020 01:56 م

في الوقت الذي ترزح فيه صناعة النفط الأمريكية تحت أسعار نفط خام دون مستوى 30 دولارًا، ظهرت فكرة غريبة في إدارة "ترامب" وبين الجمهوريين في الولايات المنتجة للنفط: يجب على الولايات المتحدة أن تتشارك مع السعودية في "تحالف نفطي" مشترك.

هذا واحد من أكثر اقتراحات السياسة عبثية التي رأيناها منذ أن بدأ فيروس "كورونا" في التسبب بتدهور أسعار النفط، والتي تفاقمت بشكل كبير بسبب حرب في وقت غير مناسب لأسعار النفط السعودية الروسية.

مقترح غير منطقي

السعودية مُنتج نفط عالمي منخفض التكلفة، حيث تنفق أقل من 8 دولارات للبرميل. من الصعب أن نرى كيف يمكن للمملكة أن تستفيد من تحالف مع منتجي النفط الأمريكيين والمدافعين عن الأسواق الحرة في الوقت الذي تبلغ فيه تكاليف إنتاجهم 3 أو 4 أضعاف لبرميل النفط الواحد، والذين حصلوا على حصة في السوق في وقت ركود السعودية.

ولكن لنلقي نظرة على أي حال.

تدعو المقترحات الأمريكية السعودية إلى مغادرة "أوبك"، وهي المنظمة التي ساعدت في تأسيسها عام 1960. تظهر الأبحاث أن تخفيضات "أوبك" هي قوة استقرار في أسواق النفط المتقلبة، وقد لعبت نفس الدور" لجنة سكك حديد تكساس" حتى السبعينيات بالمناسبة.

المشكلة في "أوبك" هذه المرة ليس أنها ترفع أسعار النفط، وإنما أنها جعلت النفط رخيصًا للغاية وجعلت شركات النفط الأمريكية غير قادرة على المنافسة.

ركوب تضحيات أوبك

كانت إجراءات "أوبك" هي السبب في نجاح قطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة في المقام الأول؛ فبدون تقييد "أوبك" لإنتاج النفط والحفاظ على الأسعار مرتفعة بشكل مصطنع -وبدون السير السعودي المُستبطيء في تسييل احتياطياتهم الضخمة الخاصة بهم- كان إنتاج النفط الصخري الأمريكي ليكون أصغر بكثير مما هو عليه اليوم.

صحيح أن الزيادة الهائلة في الإنتاج الأمريكي تستند إلى ثورة في التكنولوجيا وقطاع نفط أمريكي قوي، إلى جانب مؤسسات خاصة للحقوق التعدينية، إلا إن إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة يعتمد أيضًا على ارتفاع أسعار النفط.

حتى أسابيع قليلة مضت، كانت أسعار النفط المرتفعة هذه نتيجة لاستمرار نمو الطلب العالمي بالإضافة إلى التلاعب في السوق على شكل تخفيضات الإنتاج بنحو 1.7 ملايين برميل، والتي أجرتها "أوبك" والمنتجون من خارج "أوبك" بقيادة روسيا.

بدأت هذه المجموعة المكونة من عشرين مُنتجًا في التخفيضات في عام 2016 في خطوة اتضح أنها مساهمة خيرية غير مقصودة لمنتجي النفط الصخري الأمريكي، الذين استجابوا بزيادة الإنتاج من حوالي 8 ملايين برميل يوميًا في عام 2014 إلى 13 مليون برميل في اليوم لعام 2020.

ونظرًا لأن المنتجين الأمريكيين لم يتحملوا أية مسؤولية عن موازنة أسواق النفط عبر تعديل الإنتاج، فإننا نستطيع أن نصف تصرفاتهم بحق بأنها ركوب لموجة التضحيات التي يقدمها الآخرون؛ وهم "أوبك" وشركاؤها من خارج المنظمة.

لم يعجب هذا المنتجين من "أوبك" بطبيعة الحال، وكذلك الأمر بالنسبة للروس، ولا سيما الرئيس التنفيذي لشركة "روزنفت"، "إيغور سيتشين"، الذي لم يضحِّ فقط بإنتاج شركته لدعم المنتجين الأمريكيين، ولكن تم فرض عقوبات عليه شخصيًا أيضًا من قبل إدارة "ترامب".

لكن الصناعة التي لا يمكنها أن تنجح إلا من خلال ركوب موجة تضحيات المنافسين لا تعتبر في نهاية المطاف مستدامة.

النفط الصخري هش

تكشف الرسالة اللاذعة الصادرة عن أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الستة عن عدم فهم التوازن الهش لصناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة، لأنها بدلاً من ذلك تلوم السعودية على الأزمة وتهدد المملكة بتقويض ما وصفه أعضاء مجلس الشيوخ بأنه "هيمنة أمتنا على الطاقة".

وكتب الستة في الرسالة: "لدى الشعب الأمريكي خيارات بإجراءات كثيرة؛ من التعريفات والقيود التجارية الأخرى إلى التحقيقات، وإجراءات الحماية، والعقوبات، وغير ذلك الكثير".

للمساعدة في تحقيق الاستقرار في سوق النفط -الذي يعد سوقًا عالميًا في نهاية المطاف- فإنه بدلاً من فرض عقوبات أو تعريفات على السعودية أو القيام بمحاولات ذات نتائج عكسية لإقناع السعوديين بمغادرة "أوبك"، قد يكون من المنطقي أكثر أن ينضم المنتجون الأمريكيون فعليًا إلى "أوبك" في المشاركة في عبء إدارة السوق، بدلاً من ركوب تضحياته.

بدأت شركة نفط أمريكية واحدة على الأقل وعضو في" لجنة سكك حديد تكساس" بالتحقيق في ذلك، على الرغم من أن رئيس الهيئة التنظيمية يعارض مثل هذا الإجراء.

بالرغم أن "لجنة السكك الحديدية" كانت معتادة على فرض التخفيضات، وعملت كموازن للسوق على غرار "أوبك" حتى السبعينيات، فإننا لسنا متأكدين من إمكانية تكرار مثل هذه الإجراءات مع مبادئ السوق الحرة للصناعة الأمريكية وقوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية.

تتمثل الطريقة الأسهل لفرض تخفيض مؤقت في الولايات المتحدة في فرض حظر على نطاق ولاية تكساس على الحرق والتنفيس، والأفضل أن يكون هذا على مستوى الدولة.

ينتج منتجو تكساس وحدهم نفايات ثاني أكسيد الكربون (12.6 ملايين طن متري سنويًا) أكثر من جميع ثاني أكسيد الكربون المنبعث من منازل تكساس مجتمعة (10.8 ملايين طن متري في السنة)، أو قطاع الكهرباء في ماساتشوستس بالكامل (10.7 ملايين طن متري في السنة)، وفقًا لبيانات الحكومة الأمريكية.

سوف يجبر الحظر عددًا قليلًا من المشغلين الأقل كفاءة على إيقاف الإنتاج حتى يتمكنوا من التقاط هذا الغاز وتسويقه بشكل صحيح.

مقترح نتائجه عكسية

يدعو الجزء الآخر من الاقتراح الأمريكي إلى تحالف نفطي أمريكي سعودي، لكن كيف سينجح هذا؟ هل سيجد السعوديون بطريقة ما طريقة جديدة لدعم النفط الأمريكي أفضل من التي يقوم بها "أوبك" بالفعل؟

ناشد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الستة في البداية السعودية بترك "أوبك" بسبب عبء راكبي موجة التضحيات، لكن الولايات المتحدة هي أكبر هؤلاء.

لقد طالبوا الرياض "بترك مجموعة أوبك القديمة على الفور والانضمام إلى الولايات المتحدة على الساحة العالمية كقوة سوق حرة للطاقة".

ولكن، إذا تخلت السعودية عن "أوبك"، وتوقفت عن تقييد إنتاجها من النفط، وأصبحت "قوة سوق حرة"، فماذا يمكن أن يحدث؟

أولاً، سوف ينخفض ​​سعر النفط، أو بالأحرى يبقى عند المستويات المنخفضة الحالية، مما سيعيق جهود إحياء قطاع النفط الصخري الأمريكي.

ثانيًا، سيأخذ السعوديون حصة أكبر وأكثر تناسبًا في السوق، بما في ذلك الحصة التي تمتلكها حاليًا الولايات المتحدة وكندا والمنتجون الآخرون ذوي التكلفة العالية.

ثالثاً، ستجد الكثير من البلدان التي تحتاج ارتفاع أسعار النفط لموازنة ميزانياتها -بما في ذلك السعودية- نفسها في وضع صعب.

لهذا السبب وحده، يبدو النفط ذو سعر 20 دولارًا أمرًا غير مستدام، وكذلك حرب الأسعار بين السعودية وروسيا.

وأخيرًا، فإن كل هذا النفط الرخيص سيحفز نمو الطلب على النفط وسيتم الوصول إلى توازن سعر جديد في نهاية المطاف، ولكن هذا سيكون له تأثير مكلف جدًا على المناخ، إذ سيعسّر النفط الرخيص منافسة الحلول التقنية النظيفة وبدائل النفط، وسيحفز المستهلكين على شراء مركبات نقل أكبر، مما يؤدي لانبعاث المزيد من ثاني أكسيد الكربون والملوثات.

باختصار، لا خير تقريبًا سوف يأتي من هذا.

لا دعم بدون تنازل

قد تكون السعودية مقتنعة بالاستثمار في صناعة النفط الأمريكية، كما فعلت مؤخراً في روسيا. لكن السعودية كانت لاعباً بالفعل في الولايات المتحدة منذ سنوات عديدة، حيث تمتلك شركة النفط الحكومية "أرامكو" السعودية أكبر مصفاة أمريكية وتقوم ببناء مصنع للبتروكيماويات في الولايات المتحدة.

وبالنظر إلى المبالغ الضخمة اللازمة للحفاظ على الاستثمار النفطي الصخري بنطاقه الحالي، فإن أي استثمار سعودي سيكون خسارة مالية.

بعد كل ما قيل؛ هناك سبب واحد يجعل فكرة التحالف الأمريكي السعودي تثير بعض الاهتمام بالرياض، فالسعودية متعطشة للاحتفاظ بالحماية الأمنية التي توفرها واشنطن وتساعدها على الازدهار في منطقة قاسية، وهناك دعوات من بعض المفكرين في واشنطن إلى تقليص هذا الوجود.

من الممكن أن يفكر السعوديون في علاقة نفطية داعمة مع الولايات المتحدة، إذا جاءت مع ضمانات أمنية رسمية، مثل وضع المملكة تحت المظلة النووية الأمريكية، إذا نجحت إيران في تطوير سلاح نووي.

ولكن ما لم يكن هناك مقابل كبير -تنازل كبير من الولايات المتحدة- فلن يكون من المنطقي بالنسبة للسعوديين أن يتخذوا دور الداعم لإنتاج نفط المُنتِج المنافس.

المصدر | جيم كرين ومارك فينلي - فوربس - ترجمة وتحرير الخليج الجديد