الأربعاء 1 أبريل 2020 06:26 ص

العاصفة الكاملة لجائحة "كوفيد-"19 في العالم العربي

فيما يواصل الوباء مسيرته القاتلة لن يكون بمقدور اقتصادات مجلس التعاون الخليجي تجنّب غائلة الركود.

القضية الكبرى هي النفط خاصة ما يتعلق بالتبعات الآنية والفورية لتباطؤ الاقتصاد الصيني والعالمي على الطلب.

يبلغ متوسط سعرالتعادل المالي (يغطي الموازنة العامة بلا عجز) 64 دولار للبرميل أي ثلاثة أضعاف سعر البرميل حاليا.

تنحو اقتصادات الشرق الأوسط والخليج نحو الركود في 2020، بفعل وباء كورونا وانهيار أسعار النفط وتتابع الأزمة المالية العالمية.

حرب أسعار النفط ألهبت بسوطها أيضاً ظهر الاقتصادات الأضعف المُعتمدة على البترول ووضعت باقي كبار المنتجين للنفط تحت وطأة ضغظ شديد.

*     *     *

ستنحو اقتصادات الشرق الأوسط ومجلس التعاون الخليجي قُدماً نحو الركود في العام 2020، بفعل وباء كوفيد- 19، وانهيار أسعار النفط وتتابع فصول الأزمة المالية العالمية.

فهذا الوباء العالمي الجموح والخاطف للأنفاس- والذي أضحت أوروبا الآن بؤرته الرئيس الجديدة-، يُولّد صدمات في العرض والطلب على حد سواء. صدمة العرض ناجمة عن تقلّص الناتج، وعمليات الاغلاق، وتعرقل سلاسل الامدادات والنقل، وارتفاع أسعار مواد الانتاج، وكل هذا جنبًا إلى جنب مع القيود على الاقراض. 

أما صدمة المؤشرات الكُلية للطلب فهي تنبع من الانفاق الاستهلاكي المنخفض (بفعل اجراءات الحجر الصحي، والعزل الاجتماعي وتقلّص الدخول بسبب إغلاق الأعمال أو عرقلتها) ومن تأجيل الانفاق الاستثماري.

بادر أكبر اقتصادان عربيان، المملكة السعودية ودولة الإمارات، إلى تطبيق خطوات استباقية للتصدي لانتشار كوفيد -19، من خلال اغلاق المدارس والجامعات، وتأجيلنشاطات على غرار معرض دبي للفنون، وسباق كأس دبي العالمي للخيول.

كما أرجأت البحرين سباق جائزة "الفورميولا وان" الكبرى.لا بل أعلنت السعودية عن حظر مؤقت لمناسك حج العمرة غير الالزامية في الإسلام، واغلقت المساجد في صلوات العشاء والفجر.

ولأن السياحة الدينية هي أحد المصادر الرئيسة لعائدات المملكة غير النفطية، سيكون لحظر حج العمرة والقيود الشديدة المحتملة على موسم الحج المُلزم (لكل المسلمين)، مضاعفات سلبية كبيرة على النمو الاقتصادي.

بالطبع، صنّاع القرار في مجلس التعاون الخليجي اتخذوا خطوات تحفيزية لدعم الاقتصاد وقطاعات الأعمال. فالمصارف المركزية ركّزت على مساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال تأخير سداد القروض، وتمديد أجل الديون الميسّرة، وتخفيض رسوم نقاط البيع والتجارة الالكترونية.

كما أن سلطات مجلس التعاون الخليجي أماطت اللثام عن رزمة محفزات لدعم الشركات في صناعة السياحة المُنهكة، والبيع بالتجزئة، والقطاعات التجارية (لدى دولة الإمارات رزمة تعزيز تقدّر بنحو34.3 مليار دولار)، في مقابل 32 مليار دولار في السعودية، و23.3 مليار دولار في قطر).

كذلك، يقوم صنّاع القرار بدعم الأسواق المالية: فقد عمدت البحرين، مؤخرا، على سبيل المثال، إلى ادخال خفض حادعلى سعر فائدة القروض قصيرة الأجل من 4 إلى 2.45 بالمئة.

حسنا، لكن القضية الكبرى هنا تبقى النفط، خاصة ما يتعلق منها بالتبعات الآنية والفورية للتباطؤ الاقتصادي الصيني والعالمي على الطلب. وكالة الطاقة الدولية قدرّت، مع مسحة تفاؤل، بأن الطلب العالمي على النفط سيهبط من 99.9 مليون برميل يومياً بنحو 90 ألف برميل يومياً أقل من 2019. وفي السيناريو المتشائم لوكالة الطاقة الدولية، قد ينخفض ​​الطلب بمقدار 730 ألف برميل في اليوم.

في الواقع ، أدت التخفيضات المتتالية في الإنتاج إلى انخفاض حصة أوبك في السوق العالمية من 40% في 2014 إلى حوالي 34% في يناير 2020  لصالح منتجي النفط الصخري الأميركيين.

ثم جاءت حرب أسعار النفط  بين السعودية وروسيا لتفاقم من وطأة الآفاق الضعيفة للطلب على البترول، حيث أن السعودية لم تقرر زيادة الانتاج بوتيرة كبيرة وحسب، بل أعلنت أيضاً عن حسومات تصل إلى 8 دولارات على كل برميل لدول شمال غرب أوروبا ولمستهلكين وازنين آخرين للنفط الروسي. 

ورغم أن الهدف الاستراتيجي للمملكة هو في الواقع إضعاف منتجي النفط الصخري واستعادة حصتها في السوق، إلا أن حرب الأسعار ألهبت بسوطها أيضاً ظهر الاقتصادات الأضعف المُعتمدة على البترول (على غرار الجزائر، وأنغولا، والبحرين والعراق ونيجيريا وعُمان)، ووضعت باقي كبار المنتجين للنفط وشركاته تحت وطأة ضغظ شديد.

والواقع أنه بعد سنتين من التهاوي الحاد لأسعار النفط في العام 2014، خسرت الدول الأعضاء في منظمة أوبك ما مجمله 450 مليار دولار من العائدات.

كل هذه الوقائع والأحداث حفزت حكومات مجلس التعاون الخليجي على انتهاج سياسة التعزيز المالي، من خلال الإلغاء التدريجي للوقود المدعوم،  وفرض 5% ضريبة القيمة المضافة (في الإمارات والسعودية والبحرين) وترشيد الانفاق العام.

لكن، ومع ذلك، تُواصل دول مجلس التعاون الخليجي الاعتماد على النفط في العائدات الحكومية، حيث يبلغ متوسط سعرالتعادل المالي (يغطي الموازنة العامة بدون عجز) 64 دولار للبرميل، أي أكثر من ضعف سعر نفط برنت حاليا (30 دولاراً للبرميل).

(وقد قدرت الإمارات والسعودية أسعار التعادل المالي 70 دولارًا و 83.60 دولارًا على التوالي ، في حين أن عُمان (88 دولارًا) والبحرين (92 دولارًا) وإيران (195 دولارًا) أكثر انكشافاً  في هذا المضمار. وبالمقارنة ، يمكن لروسيا الأكثر تنويعاً في اقتصادها أن توازن ميزانيتها بسعر 42 دولاراً للبرميل.

انخفاض أسعار النفط إلى النصف منذ بداية 2020، ومعه الهبوط الحاد في النمو العالمي وتأثيرات جائحة كورونا، سيضع ضغوطًا شديدة على كل من عائدات النفط وغير النفط. ونتيجة لذلك، يُرجّح أن تحلّق عجوزات موازنات مجلس التعاون الخليجي إلى 10-12 % في 2020، أي أكثر من ضعف التنبؤات السابقة.

كما أن انخفاض أسعار النفط ستسفر أيضاً عن عجوزات وازنة في الحسابات الجارية. سترد الحكومات على ذلك بخفض النفقات الرأسمالية في الغالب، ما سيفاقم التأثيرات السلبية على القطاع غير النفطي.

وسيكون على بعض الدول (الكويت، قطر، ودولة الإمارات) أن تطرق أبواب الاحتياطات المالية والدولية، فيما على دول أخرى ( عُمان، والبحرين، والسعودية) أن تُيمم وجهها صوب الأسواق المالية الدولية. لكن، هل سيكون بمقدور حكومات الخليج شق طريقها عبر الاستدانة لتجاوز مرحلة أسعار النفط المنخفضة؟

إن أسواق الأسهم والديون على شفير التداعي والانهيار، مع فرار المستثمرين إلى السندات الحكومية الآمنة ، وتجف موارد السيولة.ولذا، ستعاني بلدان مجلس التعاون الخليجي من مضاعفات سلبية على الثروات المالية، بفعل الخسائر التي ستُحيق بمحفظة صناديق الثروة السيادية والأصول الأجنبية الصافية.

ثم: حين نضع في الاعتبار العجوزات المتضخمة وآفاق تواصل تدني أسعار النفط ، فإن المُستدينين، من أطراف سيادية وشركات خاصة، سيجدون من الصعوبة بمكان الدخول إلى أسواق اكثر كلفة. وبالتالي، ستؤدي الأزمة المالية المتواصلة إلى مفاقمة تأثيرات صدمتي أسعار النفط والوباء.

الوباء نفسه لايزال يتكشّف فصولا، ومضاعفاته العالمية المُحتملة ستعتمد على مدى انتشاره الجغرافي ومدته وحدته. لكن الواضح الآن أن الأسابيع المقبلة ستلّفها غلالة من الغموض والشكوك حيال آفاق النمو العالمي، وأسعار النفط، وتقلبات الأسواق المالية.

وفيما يواصل الوباء مسيرته القاتلة، لن يكون بمقدور اقتصادات مجلس التعاون الخليجي- كغيرها من الاقتصادات- تجنّب غائلة الركود.

* د. ناصر السعيدي خبير اقتصادي لبناني، نائب حاكم مصرف لبنان (المركزي) وزير الاقتصاد والصناعة اللبناني سابقًا.

المصدر | بروجيكت سينديكيت