الأربعاء 1 أبريل 2020 12:47 م

بعد أسبوع واحد فقط من مقتل أكثر من 50 مسلما في هجمات غير مبررة من قبل حشود هندوسية عنيفة في شوارع نيودلهي، حاولت صحيفة "جلف نيوز" في الإمارات من خلال مقالة افتتاحية بعنوان "أوقفوا إلقاء اللوم على مودي في الهند"، تبييض صورة القومية الهندوسية المتشددة التي كانت المحرك الأساسي للعنف.

وقد أثار المقال أسئلة أخرى حول دور الإمارات في تعزيز عدم الاستقرار العالمي وتقويض الديمقراطية وتشجيع كراهية الإسلام.

يجب أن تؤدي هذه الأسئلة أيضًا إلى فحص أوثق للعلاقة الأمريكية - الإماراتية.

عندما يفكر الجمهور الأمريكي في الإمارات، فإنهم يفكرون عادةً في دبي وتطوراتها العقارية الشهيرة، بما في ذلك ناطحة سحاب "برج خليفة"، وفندق "برج العرب جميرا" الفاخر، و"جزر النخيل" المبنية بشكل مصطنع.

ومع ذلك، فإن التأثير الأقل شهرة بين الجمهور الأمريكي هو التأثير الكبير للحاكم الفعلي للإمارات الأمير "محمد بن زايد" في تشكيل السياسة الخارجية لإدارة "ترامب".

لا يعد "بن زايد" واحدا من أكثر الأصوات تأثيرًا في واشنطن فحسب، ولكن يمكن القول أيضًا أنه أغنى فرد في العالم، نظرًا لأنه يسيطر على ثروة تقدر بأكثر من 1.3 تريليون دولار.

وقد استخدم هذه الثروة لبناء الجيش الأكثر تقدمًا في العالم العربي، حيث أنفق مئات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة والتدريب ومساعدات أمنية أخرى من الولايات المتحدة.

وقالت "تمارا كوفمان ويتس"، المسؤولة السابقة بوزارة الخارجية الأمريكية وزميلة في معهد "بروكينغز"، لصحيفة "نيويورك تايمز": "لقد أنشأنا فرانكنشتاين الصغير".

وبحسب "ديفيد كيركباتريك"، رئيس مكتب القاهرة السابق لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن تأثير "بن زايد" في السياسة الخارجية الأمريكية يبدو أكبر من أي وقت مضى.

يقول "كيركباتريك" إن ولي العهد أقنع الرئيس "ترامب" مرارًا بتبني وجهات نظره بشأن قطر وليبيا والسعودية، خلافا لنصيحة كبار موظفي الأمن القومي.

في عام 2019، اعترض "ترامب" على مشروع قانون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وهي الحرب التي كان "بن زايد" أحد مهندسيها.

يهدف "بن زايد"  في اليمن إلى إنشاء دولة عميلة في الجزء الجنوبي من البلاد، حيث يأمل في إقامة صلة بين الإمارات والقرن الأفريقي، ولكنه بدلاً من ذلك، ساعد في إنشاء ما يُوصف بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، والتي قتلت ما يقرب من 100 ألف طفل من المرض والمجاعة منذ عام 2015.

والعام الماضي، أعلنت لجنة تابعة للأمم المتحدة أن الإمارات، إلى جانب السعودية والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، مسؤولون عن جرائم حرب في اليمن.

وهذا العام، رفعت محكمة أمريكية دعوى قضائية ضد الإمارات ووكيلها في ليبيا، الجنرال "خليفة حفتر"، الذي يقود بعض أكثر الميليشيات عنفاً في القارة الأفريقية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الليبيين.

وفي سجل "بن زايد" الكارثي للسياسة الخارجية الإماراتية، تم الكشف عن برنامج التجسس السري المعروف باسم مشروع "ريفن"، الذي جند أكثر من 10 من عملاء المخابرات الأمريكية السابقين للتجسس على ناشطي حقوق الإنسان والصحفيين، وأي شخص آخر اعتبرته السلطات الإماراتية تهديدًا محتملاً وفقًا لتحقيق أجرته "رويترز".

وشملت الأهداف البارزة لبرامج التجسس الإماراتية أمير قطر، ونائب رئيس الوزراء التركي السابق، والناشط الإماراتي "أحمد منصور".

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن عملية المراقبة السرية التي قامت بها الإمارات استهدفت مواطنين أمريكيين، ما يعني أن دولة أجنبية تستخدم مواطنين أمريكيين للتجسس على مواطنين أمريكيين من أجل حماية المصالح الاستراتيجية لتلك الدولة الأجنبية.

وقالت "لوري ستراود"، محللة المخابرات السابقة بوكالة الأمن القومي الأمريكية لـ"رويترز": "أعمل لصالح وكالة استخبارات أجنبية تستهدف أشخاصًا أمريكيين.. أنا رسميًا النوع السيئ من الجواسيس".

انضمت "ستراود" إلى مشروع "ريفن" بعد أسبوعين فقط من تركها منصبها في وكالة الأمن القومي في عام 2014، وانضم إليها أكثر من 12 موظفًا حكوميًا أمريكيًا آخر، تم تنفيذ أعمال المراقبة الخاصة بهم من قصر في أبوظبي، معروف باسم "الفيلا".

في البداية، تم إجراء عملية المراقبة من خلال مقاول للأمن السيبراني ومقره الولايات المتحدة، ولكن بحلول عام 2016 تم نقل مشروع "ريفن"، إلى شركة أمن إلكتروني إماراتية تسمى "Dark Matter".

ووفقًا لـ"رويترز"، "قبل فترة طويلة، أقلق ستراود والأمريكيين الآخرين المشاركين في الجهد أنهم رأوا المهمة تتجاوز الخط الأحمر: استهداف مواطنين أمريكيين بالمراقبة".

استخدم مشروع "ريفن" أداة قرصنة تسمى "Karma"، والتي يمكنها الوصول إلى أي نوع من الهواتف المحمولة تقريبًا، ولكن على وجه الخصوص أجهزة "iPhones"، دون النقر من الهدف، ويتم ذلك من خلال استغلال "ثغرة غير معلنة" في نظام iMessage الخاص بشركة "Apple".

قالت "ستراود": "في بعض الأيام كان الهدف من الصعب ابتلاعه، مثلا عندما تستهدف طفلًا يبلغ من العمر 16 عامًا على تويتر".

استخدمت الإمارات والسعودية أدوات مماثلة لمهاجمة المعارضين تحت ستار "هزيمة الإرهاب"، في عام 2018، اشترت الدولتان العربيتان برامج تجسس تسمى "Pegasus" من شركة "NSO Group" الإسرائيلية، ووافقت الحكومة الإسرائيلية على الصفقة.

تسمح برامج التجسس للعملاء باختراق الهواتف المستهدفة، ما يسمح لهم بالتنصت على المكالمات وتسجيل ضغطات المفاتيح وقراءة الرسائل وتتبع سجل بحث المستخدم وتشغيل كاميرا الهدف والميكروفون.

لقد طبقت هذه البرامج في مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في "واشنطن بوست"، الذي تم تقطيعه في القنصلية السعودية في إسطنبول بأمر من ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان".

تم الكشف لاحقًا عن قيام الإمارات بشكل أساسي بدور "الوسيط" في تعريف السعوديين بمخترقي الهواتف، ولكن في نهاية المطاف، لم يعاقب قتلة "خاشقجي" نتيجة لدفاع إدارة "ترامب" عن السعودية.

تتعارض مواقف الإمارات مع المواقف الأمريكية الرسمية خارج نطاق الولايات المتحدة والشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال بشأن الصين، تشجع الإمارات معسكرات الاعتقال الإسلامية في الصين في شينجيانغ، وتؤيد إلغاء الهند لوضع كشمير شبه المستقل.

لكن لايزال "ترامب" يتأثر برؤى "بن زايد" بخصوص إيران وقطر واليمن وليبيا.

إذا كان التجسس على مواطنين أمريكيين، وقتل صحفي مقيم في الولايات المتحدة، ولعب دور قيادي في إنتاج الكارثة الإنسانية المستمرة في اليمن وليبيا ليس كافياً لجعل "ترامب" يعيد التفكير في علاقته ودعمه غير المشروط لـ"بن زايد"، فيمكننا أن نتوقع المزيد من الحسابات الخاطئة في السياسة الخارجية، وكذلك المزيد من الخسائر في الأرواح.

المصدر | سي جي ويرليمان | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد