في «نظرية» رمي الفقراء والأجانب في الصحراء!

حالما تطلّ الأزمات الكبيرة وأحيانا الصغيرة نجد صعودا ملحوظا لهذه الأفكار.

أعطاب وجودية كبيرة تتعلق بمنظومة سياسية تقوم على استئثار فئة معينة بالحكم.

لا يجد هذا النوع من الحكم حلفاء إلا ضمن دائرته الخاصة المحكمة الإغلاق التي تجمع بين القمع والفساد.  

لا تعتبر الدعوة لرمي الأجانب خارج دولة ساهموا ببنائها وتعليمها وصحتها وتبنى بعضهم عاداتها ولهجتها استثناء خليجيا.

حكومات تنظر إلى مواطني بلادها باعتبارهم «العدو» الذي لا يجب التنازل معه حتى لو كانت البلاد تحت خطر جائحة تطيح بالجميع.

*     *     *

قدمت الممثلة الكويتية حياة الفهد اقتراحا لاحتمال حصول ضغط كبير على المشافي في البلاد بسبب أزمة كورونا وذلك بإخراج العمالة الوافدة المقيمة في بلادها ورميهم في الصحراء، فبلادهم، حسب قول الفنانة، لا تريدهم، ولا ضرورة بالتالي على دولة الكويت ومواطنيها الأصليين «أن نبتلش فيهم»!

لا تعتبر دعوة الفهد لرمي العمال الأجانب خارج الدولة التي ساهموا في بنائها وطبابتها وتعليمها وصحتها وتجارتها، والتي تمثل كثيرون منهم تقاليدها وعاداتها ولهجتها، استثناء خليجيا.

فهذه الفكرة ممأسسة في القانون والأعراف في أغلب دول الخليج العربي بفصلها بين المواطنين الأصليين والأشخاص الوافدين بطريقة طبقية وعنصرية أحيانا، وإن كانت القيم والأعراف الإسلامية والعربية تساهم في تخفيفها وتلطيفها.

كما أن الطابع الديمقراطي والأهليّ الذي يميّز الكويت بوجود أحزاب وإعلام ذي استقلالية نسبية يرفع منسوب الوعي السياسي والحقوقي، لكن حالما تطلّ الأزمات الكبيرة، وأحيانا الصغيرة، نجد صعودا ملحوظا لهذه الأفكار.

وإذا كان هذا حال الكويت، التي اعتبرت لحقبة طويلة نقطة مضيئة في ظلام عربي كثيف، فإن الأنكى من ذلك هو أن نرى فعلا أن بعض البلدان التي تتباهى حكوماتها بحضارتها وتاريخها ومساهمتها الكبيرة في وصول الكويت وجاراتها إلى درجة منشودة من الازدهار والرقي، تقوم فعلا بالتنكّر لمواطنيها ومحاولة التخلّص من عبء عودتهم إليها.

كما تفعل السلطات المصرية بالعائدين إليها بمطالبتهم بدفع تكاليف عزلهم بعد عودتهم من سفر، وهو ما أدى إلى تظاهرهم واحتجاجهم على هذا العسف، أو برفضها عودة بعضهم أصلا ومحاولة تحميلهم كلفة هذه الإعادة.

وكما تفعل سلطات الجزائر التي تتبرأ من مواطنيها الموجودين في تركيا، بل وتطالب بالتحقيق الأمني معهم، وتطلق تبريرات بائسة من قبيل أن بعض «الإرهابيين» من جنسيات أخرى قد يعودون معهم.

بل إن البحرين، جارة الكويت فعلت الأمر نفسه مع مجموعة من البحرينيين الذين تقطعت بهم السبل وتمكنت قطر من إنقاذهم وعرضت إيصالهم بطائرة خاصة إلى بلدهم لكن سلطات المنامة تمسكت بإقفال مجالها الجوّي، فقرارات حصار قطر أهم من عودة مواطنيها.

يرتبط موقف حكومات مثل هذه بأعطاب وجودية كبيرة تتعلق بالمنظومة السياسية التي تقوم، في صلبها، على استئثار فئة معينة بالحكم، ولا يجد هذا النوع من الحكم حلفاء إلا ضمن دائرته الخاصة المحكمة الإغلاق التي تجمع بين القمع والفساد.  

كما تنظر إلى مواطني البلاد أنفسهم، كما تنظر الممثلة حياة الفهد إلى «الأجانب» و«البدون» ومن في حكمهم، باعتبارهم «العدو» الذي لا يجب التنازل معه، حتى لو كانت البلاد بأكملها، حكاما ومحكومين، تحت خطر الجائحة التي ستطيح بالجميع.

المصدر | القدس العربي