الخميس 2 أبريل 2020 01:07 م

ترامب عقبة لصعود الغرب

نظرا لشخصيته وموقفه من قيم الغرب الليبرالية لن يتورع ترامب عن انتهاك القانون والدستور لمصلحته الشخصية.

الخلافات التي نشأ عليها وبين أشواكها جيلي أودت بالجامعة العربية إلى التهلكة وقضت تماماً على أي دور لقيادة من داخل الإقليم.

لم تمض أيام على بدء العزل إلا وأيقنت ضخامة التهديد الذي تتعرض له أمريكا أولاً، والغرب ثانياً، وأقاليم أخرى في العالم ثالثاً.

هل هناك قيادة قررت موعد شن الغزوات الأولى في حرب كورونا وقررت أن تكون ووهان المقاطعة المناسبة لاستقبال الغزوات المبكرة؟ ولماذا الصين؟

*     *     *

الوضع الراهن في الحرب الدائرة بين معظم دول العالم من ناحية وفيروس الكورونا لا يشجع على التفاؤل. المعارك جارية بنوايا صادقة في كل الأنحاء لكن بدرجات متفاوتة من القدرات المحدودة من جانب الدول وقدرة متجددة من المباغتة والاختفاء وسرعة الانتشار من جانب الفيروس.

تخيلت أكثر من مرة خلال الشهور الماضية أن هذا الفيروس يتحرك طبقاً لنظام وتخطيط وتتحرك جحافله بأوامر من قيادة عليا في مكان ما.

استبعدت فكرة أن يكون كل فيروس يتحرك منفرداً بإرادة ذاتية، يتنقل ضمن شبكة من حوافز البقاء ومخزون الخبرة الموروثة عن فيروسات أخرى وتأتي نهايته على يد قوة خارجية أبدعت فأنتجت لقاحاً جاهزاً ليدمر وحدات الفيروس المقاتلة أو ليشتت قواها ويعيد بعثرتها ضعيفة خائرة القوة.

ظللت أسأل نفسي أسئلة أتسلى بها في أوقات العزل والحظر، أسئلة لا أسعى من ورائها إلى معلومة أضيفها إلى حصيلة هائلة من مسائل صعبة الفهم أفرزتها أحداث الشهور الأخيرة في حرب سقيمة.

سألت إن كانت هناك قيادة هي التي قررت موعد شن الغزوات الأولى في هذه الحرب وقررت في الوقت نفسه أن تكون ووهان المقاطعة الصينية المناسبة لاستقبال هذه الغزوات المبكرة. ولماذا الصين؟

سألت أيضاً عن الجهة التي تقرر، أو قررت بالفعل، نقل الهجوم من آسيا إلى أوروبا، من الصين تحديداً إلى إيطاليا تحديداً!

أم أن القرار نص على نقل الهجوم إلى أمريكا، ووقع الهجوم بالفعل على أمريكا قبل إيطاليا وتعمدت الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب إنكار وقوعه هناك فحصد من أرواح الأمريكيين ما حصد، ولم يعرف الرأي العام حتى اليوم بأي داء أو فيروس ماتوا.

نسمع الآن من مسؤولين أمريكيين أن حال الولايات المتحدة لم يختلف كثيراً عن حال إيطاليا عندما تعرضت لغزو الكورونا. لم يوجد في مشافيهما وعياداتهما وترساناتهما الطبية الأدوات الضرورية للتعرف على طبيعة وسلوكيات عدو جديد قادم من عالم الكائنات الفيروسية، ولم يوجد غرف أو طواقم لاستقبال مرضى بأعداد غير عادية.

لم تمض أيام على بدء تطبيق العزل إلا وأيقنت ضخامة التهديد الذي يمكن أن تتعرض له أمريكا أولاً، والغرب ثانياً، وأقاليم أخرى في هذا العالم ثالثاً.

أظن أن العزل- ذاتياً كان أم جبرياً- مسؤول عن توفير مساحة أوسع للتحرر من ضغوط التزامات يومية بعضها كافٍ لقمع حريات أساسية منها حرية التفكير لتلحق بها حرية التعبير.

لم أتردد في أن أشير أكثر من مرة إلى الرئيس ترامب باعتباره، على الأقل من وجهة نظري، يتحمل بدرجة كبيرة وسلفه الرئيس السابق باراك أوباما بدرجة أقل مسؤولية الانسحاب المتدرج من أداء مهام قيادة النظام الدولي. انسحب الرئيس أوباما متذرعاً بتضاؤل الحاجة في أوروبا إلى الوجود الأمريكي بينما تزداد الحاجة إليها في آسيا.

كنا، وما نزال، شهوداً على معارك ومواقف تذكر أبناء جيلي بخلافات طالما وقعت بين أعضاء العائلة العربية الواحدة وتمثلها منظمة إقليمية هدفها تحقيق التكامل بين الأعضاء.

أقول تذكرني لأن هذه الخلافات التي نشأ عليها وبين أشواكها الجيل الذي أنتمي إليه هي التي أودت بالجامعة إلى وضع كالتهلكة بعد أن قضت تماماً على أي دور لقيادة من داخل الإقليم تتولى تسيير السفينة العربية ومنع ارتطامها بالصخور في يمٍّ لم تمخر عبابه من قبل.

من دون قيادة أصيب النظام الدولي بمضاعفات للفوضى جرّت وتجرّ عليه ويلات في أول مواجهة مع عدو شرس، هاجم العالم بأسره، الذي وقف ضائعاً متردداً، فلا قيادة ولا نظام.

بحسابات القوى الناعمة خرجت الصين في المرحلة الأولى من مواجهات الكورونا بسمعة أنقى وأقوى صدقية من السمعة التي خرجت بها الولايات المتحدة.

بحسابات العلاقات بين الأمم في وقت الأزمات سبقت الصين، الدولة الآسيوية، كل دول الغرب، في مدّ يد كريمة ومرغوبة جداً إلى إيطاليا في لحظة كرب عميق.

لم تمد أمريكا الترامبية يداً إلى إيطاليا. تنكرت أمريكا لحليفتها، فتذكرتها الصين ثم روسيا. شعرت– وأنا أراقب هذه التطورات المثيرة– وفكرت أنني ربما أقف في تلك اللحظات شاهداً على واحدة من أهم وآخر تجارب الصعود إلى القمة الدولية.

أرى أمامي الصين تنهض من عثرة مؤقتة وتقتحم إحدى أهم قلاع الغرب، مهد حضارته وأحد مصادر فخاره وشرعيته ونهضته.

أرى أمامي الولايات المتحدة ممثلة في رئيس لم يستقر بعد على ما يجب أن يقول في مواجهة هي ربما بين الأخطر على مستقبل الولايات المتحدة وحضارة الغرب.

أرى أمامي وللغرابة أمريكيين بالملايين داعمين لرئيس لا يتوقف عن صنع الانقسامات ومستعدين للتصويت لصالحه في انتخابات الرئاسة المقررة في شهر نوفمبر المقبل!

هذا إذا لم يتفتق ذهن الرئيس عن ترتيب مؤامرة من شأنها تأجيل الانتخابات عاماً أو عامين يتمكن خلالهما من إجراء تعديلات دستورية، مستنداً إلى هذه الشعبية المتصاعدة.

في المشهد الذي تخيلت وقوعه مبالغة لا شك فيها، لكن في الوقت نفسه، لا أراه بعيداً عن تصورات العارفين بشخصية الرئيس ترامب وموقفه من معتقدات الغرب الليبرالية وعدم تورعه عن انتهاك القانون والدستور إذا احتاجت مصلحته الشخصية.

* جميل مطر مفكر ودبلوماسي مصري، مهتم بالشؤون الدولية والعولمة والإصلاح السياسي.

المصدر | الشروق المصرية