السبت 4 أبريل 2020 12:03 م

تبرع ذو دلالة ذلك الذي قدمه رجل الأعمال السعودي من أصول إثيوبية "محمد حسين العمودي" لصندوق بناء سد النهضة الإثيوبي، استجابة لحملة قومية أطلقتها رئيسة إثيوبيا "ساهلورك زودي" أخيراً، لاستكمال الإنشاءات في السد وسرعة إنجازه، في ظل تأزم مسار المفاوضات بين أديس أبابا والقاهرة بشأن قواعد ملء السد الذي تخشى مصر من تسببه في فقدانها جزء كبير من حصتها في مياه نهر النيل.

وسبق لـ"العمودي"، الذي ولد في إثيوبيا عام 1946، وضخ بها استثمارات ضخمة في قطاعات البناء والزراعة والتعدين، تزويد سد النهضة بكميات ضخمة من الأسمنت من المصانع التابعة له خلال مرحلة الإنشاءات الخرسانية، ما أهله لتكوين علاقات وطيدة مع أديس أبابا.

وفي السياق ذاته، وعد رجل الأعمال السعودي بتقديم تبرع بقيمة 120 مليون بر إثيوبي (نحو 366 ألف دولار) لدعم جهود الحكومة الإثيوبية في مكافحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد -19).

ووفق تصنيف مجلة "فوربس"، يعد العمودي هو ثاني أغنى رجل أعمال في المملكة، وكان واحدا ممكن تم احتجازهم في فندق ريتز كارلتون بالعاصمة السعودية (الرياض)، خلال الحملة التي بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بإشراف ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان".

وجاء اعتقال "العمودي" بعد تحريات زعمت تورطه في الحصول على اعتمادات بقيمة 4 مليارات دولار من صندوق الملك عبدالله للاستثمار الزراعي السعودي من أجل تمويل مشاريع لزراعة الأرز في إثيوبيا، وبناء رصيف مينائي في إريتريا لتصدير هذا الأرز إلى السعودية، وهي المشاريع التي لم يتم الوفاء بإنجازها، الأمر الذي استغله "بن سلمان" كذريعة لوضع رجل الأعمال الشهير ضمن قائمة المحتجزين التي شملت العشرات من المستثمرين والأمراء والوزراء.

ولم تفرج السلطات السعودية عن "العمودي" إلا في يناير/كانون الثاني 2019، وبعدما تقلصت صافي الأصول المملوكة له بعد الاعتقال بنحو 1.4 مليار دولار.

ويعتبر "العمودي" أحد الرجال المحوريين في منظومة العلاقات السعودية الإثيوبية، وهو ما دفع رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" للمطالبة بإطلاق سراحه أثناء اعتقاله، منوها إلى أنه أثار القضية مع "بن سلمان" خلال زيارته للرياض في مايو/أيار 2018.

ورقة ضغط

ومن المرجح أن تثير مثل هذه الخطوة من جانب رجل أعمال سعودي على علاقة وثيقة بالسلطة، استياء مصر التي تعتبر السعودية أحد حلفائها المقربين.

لكن هذا السلوك السعودي لا يعد هو الأول من نوعه، حيث سبق للمستشار في الديوان الملكي "أحمد الخطيب" أن زار موقع سد النهضة برفقة وفد اقتصادي وسياسي عالي المستوى في ديسمبر/ كانون الأول عام 2016، الأمر الذي أزعج القاهرة بشدة.

وذكر التلفزيون الإثيوبي أن "الخطيب" التقى برئيس الوزراء، آنذاك، "هيلي ماريام ديسالين"، واتفقا على تشكيل لجنة مشتركة للتعاون بين البلدين في مجال "الطاقة"، الذي يرتبط بشكل وثيق مع مشروع سد النهضة، إذ تخطط إثيوبيا لأن تكون أكبر مركز لإنتاج الطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

وتزامنت الزيارة السعودية مع زيارات لمسؤولين إسرائيليين اقتصاديين وعسكريين، وتلت الزيارة الشهيرة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال "بنيامين نتنياهو" لأديس أبابا في صيف 2016.

وتكشف هذه الوقائع بوضوح أن السعودية تتعامل مع ملف سد النهضة باعتباره ورقة ضغط على مصر، وتريد منها لعب دور أكثر تورطاً على المستوى الإقليمي في مواجهة إيران، وهو الأمر الذي رفضته القاهرة مرارا، ودفعها للانسحاب من مشروع الناتو العربي.

ويفسر ذلك ما أورده موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بشأن تدهور غير معلن في العلاقات بين مصر والسعودية، بلغ ذروته بوقف إمدادات النفط المجاني الذي كانت الرياض تؤمّنه للقاهرة؛ دعماً للرئيس "عبدالفتاح السيسي".

وذكر رئيس تحرير الموقع "ديفيد هيرست" في مقال مطول، آنذاك، أن "هذا يفسر قيام الرئيس المصري بسب ولي العهد السعودي؛ أملاً في الحصول على نفط عراقي مجاني، عند زيارة رئيس الوزراء العراقي - آنذاك - عادل عبدالمهدي إلى مصر".

فشل متوقع

في ضوء ذلك، ربما لن يكون يإمكان القاهرة أن تعول كثيرا على الوساطة السودانية المقترحة مؤخرا بين مصر وإثيوبيا، وبالنظر إلى النفوذ السعودي المتزايد في الخرطوم، وعلاقة البلاد المتنامية مع أديس أبابا فإن مصر لا ترى السودان وسيطا نزيها في هذه الأزمة.

وسبق للسودان أن أبدى ميله إلى الموقف الإثيوبي أكثر من مرة، آخرها في 5 مارس/آذار الماضي، حين تحقظت وزارة الخارجية السودانية على قرار جامعة الدول العربية بشأن دعم موقف القاهرة والتضامُن مع حقوق مصر المائية والدعوة للتوقيع على الاتفاق الذي الذي أعدته واشنطن والبنك الدولي، نهاية فبراير/شباط الماضي.

ويسمح الاتفاق، الذي وقعته مصر بالأحرف الأولى، بتمرير 37 مليار متر مكعب فقط من المياه إلى مصر، خلال سنوات ملء خزان السد، انخفاضا من حصتها الحالية المقدرة بـ55 مليار مرت مكعب.

من هنا يرى محللون أن مصير مبادرة "حمدوك" للوساطة بين القاهرة وأديس أبابا سوف ينتهي إلى الفشل، خاصة أن المبادرة لا تحمل مقترحات فنية جديدة، ولا تحظى بأي دعم سياسي من قبل قوى إقليمية أو دولية يمكنها الضغط على أديس أبابا.

 وفي غياب ضغوط دولية حقيقية، يبدو أن إثيوبيا ستواصل المضي قدما في خططها منفردة غير عابئة بمصالح مصر، وهو ما أكد عليه "آبي أحمد"، مجددا، الأربعاء (1 أبريل/نيسان)، معلنا عزم بلاده البدء في ملء خزان السد خلال موسم الأمطار المقبل.

المصدر | الخليج الجديد